الأسرار كشفت جميعها.. سوريا كان يجب أن تكون بدون الأسد منذ 9 سنوات لكن كذبوا علينا.. إليكم التفاصيل

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

سوشال-متابعة
الأسرار كشفت جميعها.. سوريا كان يجب أن تكون بدون الأسد منذ 9 سنوات لكن كذبوا علينا.. إليكم التفاصيل

كنت أنتظر وصول المحامية رزان زيتونة عندما بدأت شابة تجلس قبالتي بتدخين لفافة تبغ ثم فتحت حديثاً قصيراً حول تغيير عنوانها بشكل مستمر هـ.ـرباً من عـ.ـناصر المخـ.ـابرات السورية.

خلتها بشعرها الأشقر المائل إلى الحمرة وببنطال الجينز الذي كانت ترتديه أنها طالبة أمضت عمراً في الجامعة دون أن تتخرج أو أنها تخرجت من الجامعة مؤخـ.ـراً وأخذت تساعد رزان في تنظيـ.ـم مظاهرات كبيرة في الشوارع كانت تخـ.ـرج تحت جـ.ـنح الظـ.ـلام في إحدى المناطق بدمشق.

لم أكن أريد أن أبدو وقـ.ـحاً وأن أحرج الفتاة بسؤالي عن رزان وهل وصلت أم لا. ولكن في نهاية الأمر، كان من الصعب علي وعلى زملائي في السفارة العودة إلى بيوتنا في تلك الليلة الليلاء من شهر أيار/مايو دون لفت انتـ.ـباه عدد كبير من رجال الأمـ.ـن الذين لا بد وأن يتعقبـ.ـوننا.

ثم إننا لم نتلق تدريباً كذلك الذي توفره وكالة الاستـ.ـخبارات المركزية الأميركية CIA، إذ قام أحد زملائي في وزارة الخارجية الأميركية بقـ.ـيادة سيارته الصغيرة التي انحـ.ـشرت داخلها برفـ.ـقة زميلين آخرين فطـ.ـفنا في أنحاء دمشق قبل أن يقوم بركن السيارة بالقـ.ـرب من بناء سكني من الصـ.ـعب وصف طـ.ـريقة الوصول إليه.

وعرفنا فيما بعد بأن الشـ.ـقة المجهزة بأثاث بسـ.ـيط وقليل كانت المنزل الآمن الذي تلجأ إليه رزان ورفاقها في بعض الأحيان. رغبت بمعاينة رزان على عجـ.ـل قبل وصول المخـ.ـابرات كما رغبت بمعرفة ما الذي تريده هي ورفـ.ـاقها.

فمن جهتي، وبوصفي سفير الولايات المتحدة في سوريا حينها، كنت أحـ.ـث المتظاهرين على تفادي العـ.ـنف.

وعندما أشـ.ـعلت الفتاة لفافة تبغها الثانية، واصلت الحديث مؤكدة على أن المظاهرات لن تتوقف بالرغم من حملة الاعتقـ.ـالات الكبيرة والتقارير التي كشفت عن وجود انتهـ.ـاكات في مراكز الاحتجاز، لم تقل مرة: “إنني لست متأكدة” أو:

“عليك أن تسأل رزان”. لذا استـ.ـغرق الأمر مني بضع دقائق قبل أن أكتـ.ـشف أن هذه الفتاة كانت رزان بشحـ.ـمها ولحمها، إذ بدت لي أصغر من أن تكون هي، كما بدت أضعف من أن تكون قـ.ـوة دافعة مؤثرة في تلك المظاهرات الكبيرة التي عقـ.ـدت العزم على تحقيق الهـ.ـدف.

أكدت رزان بأن شريحة واسعة من المجتمع السوري قد التفت حول تلك الحركة الاحتجاجية، دون أن تصفها بأنها حركة “سـ.ـنية”. كان برفقة رزان ناشط علوي هو مازن درويش

(إذ في بدايات الثورة لوحظ انخـ.ـراط العلويين فيها بشكل واضح، فهنالك فدوى سليمان التي توفيـ.ـت في باريس عام 2017، والتي لفتت أنظار كثيرين إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وذلك عند انضمامها ومشاركتها في المظاهرات، وكذلك الكاتبة سمر يزبك التي وصفت مشاركتها في المظاهرات في كتابها: “امرأة في تقاطع النـ.ـيران”).

أصرت رزان على أن المتظاهرين يريدون نظام حكـ.ـم ليبراليا ومتسامحا توجـ.ـهه عملية ديمقراطية، دون أن تسـ.ـهب في الحديث حول كيفية تحقـ.ـيق ذلك، إذ لم يكن أحد في المعارضة السورية قادراً على أن يصف لنا كيف يمكن لعمـ.ـلية التحول تلك أن تحدث.

من جهتي، ركزت على رسالة الحكومة الأميركية ومفادها وجوب بقاء حركة التـ.ـظاهر ضمن الإطار السلـ.ـمي لتحظى بالدعـ.ـم الغربي، ثم عرضت وجهة نظري إذ نصـ.ـحتهم بالتحاور مع الحكـ.ـومة مهما كانت قـ.ـمعية ومقـ.ـرفة.

هنا أخذت رزان تدخن لفافة تبغها الثالثة، فبدت لي تشبه نموذج الفتاة القـ.ـوية التي رأيتها بين الفاعلين السـ.ـياسيين في الحـ.ـرب الأهلية بالعراق، إذ شككت بقيام نظام الأسد بتقديم أي تنازلات قبل خـ.ـوض قـ.ـتال طويل أو سماحه للمعـ.ـارضة بتنظيم صفـ.ـوفها بما يكفي لتصبح فعالة على الصعيد السياسي.

وبالفعل قوبلت مساعينا للضغط على النظام حتى يسمح للمعارضة بتنظـ.ـيم صفوفها بمعارضة تامة من قبل الأجهزة الأمنية، بصرف النظر عن الوعود التي أطلقتها بثينة شعبان وأمثالها، تلك المرأة التي تعمل مستشارة إعلامية وسـ.ـياسية لدى بشار الأسد.

ففي إحدى المرات أكدت لي شعـ.ـبان بأن النظام سيسـ.ـمح للمعارضة بإقامة اجتماع في الحادي عشر من حزيران/يونيو من العام 2011. ولكن بدلاً من ذلك، وقبل الاجتماع بليلة، اقتـ.ـحمت أجهزة الاستخـ.ـبارات ضـ.ـاحية القـ.ـابون، واعتقـ.ـلت العديد من الأشخاص، وأغلقت المكان الذي كان من المزمع للاجتماع أن يعقد فيه.

لم أكن متأكداً حينها من أن ذلك يعكس شقاقاً حقيقياً ضمن صفوف النظام أم أنهم كـ.ـذبوا علينا وخـ.ـدعونا. إلا أن الوصفة الجـ.ـاهزة كانت واضحة، لن تجري أي مفـ.ـاوضات دون ضغـ.ـوطات كبيرة.

ولهذا يحسب لرزان أنها أدركت كل ذلك واسـ.ـتوعبته بشكل جيد، فقد توقعت أن يـ.ـراق الد.م، بل كثير من الد.ماء، بخلاف ما توقعته شخصيات أخرى في المعارضة سبق أن التقيت بها (وكثيرون منهم كانوا رجالاً في مثل سني).

أضافت رزان إلى ذلك أنه بمجرد أن ترحل حكومة الأسد بنهاية المطـ.ـاف، سيتعين على الليبراليين أن يحـ.ـاربوا الإسلاميين وينـ.ـازعوهم في السيطـ.ـرة على الحكومة، لكنها لم تذكر الإخوان المسلمـ.ــين بالاسم، بل اكتفت بالتأكيد على أن الإسلاميين يمـ.ـثلون عقبة كبيرة بالنسبة لليبراليين تماماً كعقبة وجـ.ـود حكومة الأسد.

ولقد التقيت بـكثير من الشخصيات المعارضة والمؤيدة خلال الشهرين اللذين سبقا لقائي برزان، ولكن أياً منهم لم يتطرق لذكر تلك المواجـ.ـهة النهائية مع الإسلاميين، بل حاول كثيرون منهم التقـ.ـليل من أهمية تلك المواجـ.ـهة، وعندما سألتها هل تتوقعين قيام حـ.ـربين متعاقبتين من أجل السيـ.ـطرة على سوريا؟ أكدت لي ذلك بيقـ.ـين وهدوء رصـ.ـين.

غادرت ذلك الاجتماع دون أن تتضح لي الطريقة التي يمكن من خلالها للمتظاهرين في الشوارع التحاور مع حكومة الأسد، إذ كانت تلك مشكلة عـ.ـرضها علي مسـ.ـتشارو الأسد بطـ.ـريقة منطقية وعقـ.ـلانية.

لم تتظاهر رزان بأنها قـ.ـادرة على التفاوض باسم المتظاهرين، بل رفـ.ـضت أن تعين في منصـ.ـب قيادة المجتمع المدني السوري.

لقد عبرت رزان عن شـ.ـكوكها في الوقت الذي عبرت فيه عن تفاؤلي بقيام محـ.ـادثات بين الحكومة ومن يقـ.ـومون بالحركة الاحتجاجية حينذاك.

وطيلة ذلك اللقاء لم تبد رزان حماستها أو ضعفها، بل حافظت على هدوئها، وتحـ.ـليلها الرصين للأمور إلى جانب تحـ.ـديدها لما يجـ.ـري بكل وضوح.

لم أرها بعد ذلك مرة أخرى، إذ بعدما سافرت إلى حماة عقب أسبوعين من ذلك اللقاء، أصبح وجود أفراد الأمن حولي خـ.ـانقاً، فلم أعد أجرؤ على لقاء أي شخصية معارضة ليست لديها صفة قانونية ورسمية مخـ.ـافة أن يتسبب لقاؤنا هذا باعـ.ـتقال تلك الشخصية.

ومع توسع نطاق العـ.ـنف في آب/أغسطس من عام 2011، نجحت في إرسال رسالة لرزان عبر الفريق الذي كنت أعمل معه بواسطة المنصات الافتراضية

. تذكرت تلك الفتاة القوية الصلبة عندما وصلني ردها على طلبي في شهر آب/ أغسطس بألا تلجأ الحركة الاحتجاجية لاستخدام العنف، حيث ردت بأن الوضع في سوريا كان أشبه بالمواجهة بين بريطانيا وغاندي، لذا يجب على الأميركيين ألا يتوقعوا من المعارضة أن تتصرف كما تصرف غاندي.

وإنني على يقين أني بدوت ساذجاً بنظر رزان حينها. وبشكل مؤكد انتقلت رزان فيما بعد لتصبح على خط النار داخل الغوطة الشرقية المحاصرة في ريف دمشق وذلك في شهر آب/أغسطس من عام 2013، عندما نفـ.ـذ نظام الأسد الهجـ.ـوم بغاز السارين

، لكنها نجت، ونجحنا بعدها مرة أخرى في تبادل الرسائل، إذ شعرت رزان بإحباط شـ.ـديد لعدم قيام الأميركيين بتفعـ.ـيل الخط الأحمر الذي حدده أوباما لاستخدام الأسـ.ـلحة الكيماوية.

لم تكن رزان السورية الوحيدة التي توقعت منا أكثر مما قدمناه، إذ لطالما طلبنا من المعارضة أن تصل إلى عناصر من القاعدة التي تدعم حكومة الأسد لتمارس الضغط الداخلي على تلك الحكومة،

كما أردنا من الأسد أن يقبل بحكومة انتقالية وفقاً لما دعا إليه بيان جنيف 1 في حزيران/يونيو 2012 والذي قمنا بالتوقيع عليه مع روسيا والجامعة العربية برعاية هيئة الأمم المتحدة.

وفي أواخر عام 2012 وأوائل عام 2013، برز اسم قائدين في صفوف الجيش السوري الحر وذلك بعد التطمينات التي قدماها للطائفة العلوية، أذكر هنا على الأخص العقيد عبد الجبار العكيدي الذي أكد عبر رسائل صوتية أرسلها من الداخل السوري بأن الجيش السوري الحر

لم يحـ.ـارب الأسد لأنه علوي، بل يحـ.ـارب نظاماً قمعياً فاسداً ترأسه بالصدفة (وهنا أنقل رسالته بالحرف) شخص علوي. إذ أكد العكيدي في حلب والعقيد عفيف سليمان في إدلب بأن الجـ.ـيش السوري الحر سيحمي العلويين في المناطق التي قام بتحريرها.

وقد كان لذلك أهمية من نوع خاص بسبب ظهور جبهة النصرة حينئذ والتي تمثل أحد فروع تنظيم القاعدة في العراق، حيث أصبحت تتمتع بقوة ونفوذ في الشمال السوري، لدرجة أننا قررنا وضعها على قائمة الإرهاب التي أعدتها الحكومة الأميركية

وهذا ما حدث في كانون الأول من العام 2012، وذلك لنحذر الجيش السوري الحر وكذلك المعارضة السياسية من التعامل معها، بل ليقوما بإدانتها واستنكار وجودها.

وهكذا دخل قادة من أمثال العكيدي وسليمان في منافسة مع جبهة النصرة على المجندين في صفوفهما ما بين أواخر عام 2012، ومطلع عام 2013. وتبين لنا من الاجتماعات التي التقينا فيها بممثلين من لجان التنسيق التي تحاول أن تدير المدن في الشمال السوري بعد انسحاب الجيش السوري منها بأن جبهة النصرة نالت حظوة وتفوقاً حينها على رجال من أمثال العكيدي وسليمان.

وذلك لأن النصرة لديها أموال وإمدادات أكثر، تماماً كما وصلنا في تحذيرات هذين الرجلين. وفي شهر شباط/ فبراير من عام 2013، حصلنا أخيراً على موافقة الرئيس باراك أوباما على تقديم مساعدات غير فتاكة للجيش السوري الحر (عبر مبررات قانونية غاية في التعقيد قام بهندستها ورسمها محامون لدى الإدارة الأميركية).

توسمنا الخير كثيراً بذلك أنا وفريقي في سوريا، فقد سبق أن حذرنا في مذكرة صدرت في تموز/يوليو من عام 2012 وجهت لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون حينئذ، كما تم إرسالها إلى مجلس الأمن القومي أنه في حال لم تقم الولايات المتحدة بتزويد المعتدلين من أمثال العكيدي وعفيف بالسلاح،

عندها لا بد أن تستولي النصرة على المنطقة الشرقية في سوريا، لتلحقها بما سبقها من مناطق في غرب العراق. إلا أن الرئيس لم يكن يرغب بتقديم السلاح. ولكن بعدما خلف جون كيري كلينتون ركز في أول اجتماع عمل عقده بوزارة الخارجية في عام 2013 حول سوريا، حيث وافق على طرح الموضوع مرة أخرى على أوباما.

وهنا يحسب لكيري أنه ظل يلح في طلبه على الرئيس حتى اقتنع، لكنه لم يحصل إلا على موافقة تنص على تقديم مساعدات غير فتاكة، فتوصلنا حينذاك إلى أن ذلك أفضل من لا شيء. وتوسمنا الخير في تلك المساعدات غير الفتاكة،

وبالأخص الإمدادات الغذائية والطبية والتي بوسعها أن تقدم بعض المساعدة لقادة عسكريين من أمثال العكيدي في منافستهم مع جبهة النصرة على المقاتلين والنفوذ.

التقيت بالعكيدي لأول مرة في شهر آذار/مارس من عام 2013 في ردهة الفندق الذي نزلت فيه بغازي عنتاب في تركيا. كان يرتدي بدلة مدنية داكنة اللون لأن السلطات التركية لم تسمح له بارتداء بزة عسكرية، وكان برفقته العديد من ضباط الجيش الحر الذين بدوا مهلهلين بالثياب المدنية. لم يجر حينها العكيدي معي حواراً قصيراً،

بل كل ما فعله هو أن أشعل لفافة تبغه وأخذ يعدد ما يحتاجه قبل وصول الشاي، فلقد أتى من حلب ليحصل على دعم أميركي حقيقي لمقاتليه. لذا عندما أخبرته أننا سنبدأ بتزويدهم بشاحنات محملة بوجبات جاهزة ومعدات طبية، لم يعد يصغي للموضوع،

بل مال بجسده وهتف بأعلى صوته قائلاً بأن جنوده على استعداد “لأكل ورق الشجر” لكنهم بحاجة إلى الذخيرة ليدافعوا عن أنفسهم أمام قوات الجيش السوري. فأخبرته بأن الأوامر التي وصلتني من واشنطن واضحة،

إذ لن يتم تزويدهم بمساعدات فتاكة من أي نوع، ونصحته أنه من الأفضل له القبول بالإمدادات الغذائية، إذ عندها ستنتفي الحاجة لتناول ورق الشجر. غير أنه لم يبتسم، بل أخذ يشتكي مطولاً من لامبالاة الأميركان تجاه معاناة السوريين، وكان علي حينها أن ألتزم بدليل السياسة في بلدي.

وعندما أوشك ذلك الاجتماع المقيت على الانتهاء، قررت أن أعرض على العكيدي وجهة نظري الشخصية، فاقترحت عليه أن ينظر إلى اجتماعنا على أنه خطوة، حيث أخبرته بأن الشاب والصبية في الثقافة الأميركية يتبادلان الحديث أولاً،

ومن ثم قد يتناولان القهوة في مقهى سوية، بعد ذلك قد يرتادان السينما معاً أو يتناولان العشاء في مطعم، وفي مرحلة لاحقة لابد لهما أن يخرجا معاً في مناسبات كثيرة قبل أن يتزوجا،

أي أن كل خطوة في العلاقة مبنية على الخطوات التي تسبقها. فأتاني رد العكيدي على الفور بأن الشاب والصبية في سوريا يتزوجان قبل أن يخرجا سوية لحضور فيلم في السينما أو لتناول الطعام معاً، إلا أنه اعترف بالحاجة لبناء علاقة مع الأميركيين، ولهذا السبب أتى من حلب ليلتقي بي كما ذكر في نهاية الاجتماع.

التقيت بالعكيدي مرة أخرى في أيار/مايو على الحدود التركية-السورية، ولكن هذه المرة برفقة سبع شاحنات كبيرة محملة بآلاف الوجبات الجاهزة.

ومن الخصال الطيبة التي يتمتع بها العكيدي أنه لم يعبر عن خيبة أمله وإحباطه لعدم وجود أسلحة فتاكة. ثم فتحت البوابة الحدودية، فرأينا الشاحنات وقد ركنت عند مبنى الجمارك السورية السابق على بعد مئات الأمتار في الداخل السوري عند معبر باب السلامة.

سألني حينذاك العكيدي إن كنت أرغب بلقاء فريقه وشرب الشاي بصحبتهم في ذلك المبنى، فأجريت حساباتي في عقلي على عجل، إذ لم يكن من المسموح لنا أنا واثنان من زملائي في وزارة الخارجية الأميركية أن ندخل سوريا، كما لم يكن لدينا حراس شخصيون أميركيون،

إذ لم يكن معي حينذاك سوى وسيط من المخابرات التركية. ولكن إذا تمكنا من جمع حكومة نظام الأسد مع المعارضة على طاولة المفاوضات في يوم من الأيام، فلابد لنا أن نطلب من الجيش السوري الحر أن يقبل بتقديم تنازلات عند نقطة معينة.

ثمإن خلق الثقة لديهم يعني أن أثق بهم، لذا سألت التركي إن كان يمانع في حال توجهنا إلى ذلك البناء، فهز كتفيه دلالة عدم تدخله في ذلك الأمر، فجرت الأمور على خير ما يرام.

وبمجرد أن اتخذ كل منا مجلسه داخل ذلك البناء برفقة عشرين مقاتل من جماعة العكيدي أخذ هذا الرجل يطلق عبارات عامة للترحيب بنا، ثم أفسح المجال لغيره من المقاتلين السوريين الذين أخذوا يمطرونني بالأسئلة حول عدم تقديم الأميركيين للمزيد من الدعم بهدف دعم قضيتهم.

وفي خضم ذلك النقاش، سمعنا صياحاً في الخارج، ثم أتى ضابط وسحب معه العكيدي إلى خارج المبنى، ثم سمعنا صراخاً أعلى من قبل، فتوجهت إلى النافذة لأرى العكيدي يتشاجر مع شابين يرتدي كل منهما معطفاً عسكرياً، وبنطالاً مدنياً، ولكل منهما شعر ولحية طويلان (فالفرق بينهما وبين فريق العكيدي كان شاسعاً) لم أتمكن من سماع أي كلمة مما صرخ به الشابان في وجه العكيدي.

غير أن أحد رجال العكيدي وقف معي عند النافذة وأخذ يشرح لي بأن هذين الشابين ينتميان لصقور الشام وهي جماعة إسلامية متشددة تقاتل بالقرب من حلب، حيث أخذ أحدهما يصرخ ويقول بأن مقر شقيقه قد تعرض لغزو في ذلك اليوم وقتل شقيقه إثر ذلك، لذا أخذ يلقي باللوم على العكيدي لاحتفاظه بالذخيرة وتكديسها.

وبعد دقائق معدودة تمكن العكيدي من تهدئة الشابين، ثم عاد إلى الداخل، وبدأ يقدم أعذاره ويقول إنه من الصعب السيطرة على كل الشباب. يمكن أن يكون كل ذلك مجرد استعراض مرتب أمامنا،

لكنني لم أقابل خلال العقود التي أمضيتها في الشرق الأوسط شخصاً يتمتع بمنزلة اجتماعية يتمتع بها عقيد في الجـ.ـيش يتعرض لمكيدة مدبرة عمداً للنيل من كرامته أمام جمهور عريض يضم أجانب وأشخاص من أهل البلد. ولهذا عندما رجعت إلى واشنطن سردت ما جرى وأكدت على أن الشابين انتهـ.ـكا القواعد الثقافية المتعارف عليها،

إذ لم يعيرا أي اهتمام لمكانة العكيدي الرفيعة في المجتمع السوري بوصفه عقيداً في الجـ.ـيش ومنزلته الاجتماعية بوصفه أكبر منهما سناً، وأكثر منهما خبرة.

كما نبهت إلى أن السوريين لم يصفوا انتفاضتهم بالثورة من فراغ، وخلصت إلى القول بأن القـ.ـادة العسـ.ـكريين من أمثال العكيدي لن يعمروا طويلاً إذا لم نقدم لهم المزيد من الدعم في السباق على النفوذ والسيطرة ضمن صفوف المعارضة المسـ.ـلحة.

إلا أن الرد الرسمي الوحيد الذي وصلني كان عبارة عن توبيخ وجهه لي المكتب الأمني التابع لوزارة الخارجية لأنني خـ.ـرقت توجـ.ـيهات الوزارة بدخولي إلى سوريا دون ضـ.ـابط أمـ.ـن أميركي.

في ذلك الربيع لم تكن واشنطن على استعداد للالتزام بشكل أكبر بالنـ.ـزاع السوري، كما عانت المعارضة المسلـ.ـحة من ضـ.ـربة حقيقية عندما استولى حزب الله على مدينة القصير التي كانت بيد الثوار والتي تقع بالقرب من الحدود اللبنانية وذلك في أيار/مايو من عام 2013. وخلال ذلك القـ.ـتال الضاري، عاد مقـ.ـاتلو النـ.ـصرة ليسـ.ـتولوا على عدد من المعابر على الحدود مع تركيا بعدما أصبحت بيد الجـ.ـيش السوري الحر، وبذلك أصبح بوسع هؤلاء المقـ.ـاتلين أن يفرضوا ضـ.ـريبة عند السماح للشاحنات بالدخول، فضمنوا بذلك تدفق الإيرادات بشكل ثابت.

بينما نجح العكيدي ومقـ.ـاتلوه في تثبيت خط قـ.ـتال ضـ.ـد الجيش السوري في حلب وواصلوا حصارهم الذي امتد لأشهر على قاعدة منغ الجوية بالقرب من حلب.

وفي صباح أحد الأيام في مطلع شهر آب/أغسطس، وصلت إلى المكتب في وزارة الخارجية لأجد تقارير تفيد بسـ.ـقوط قاعدة مـ.ـنغ أخيراً مع صور للعكيدي وهو يقف بجانب قـ.ـائد ميداني من تنظيم الدولة وهو أبو جندل المصـ.ـري ليحتفلا بالسيطرة على تلك القاعدة العسكرية.

كنا حينذاك نسعى جاهدين لعقد مـ.ـفاوضات بين المعـ.ـارضة والنظام، غير أن التعاون بين أصدقائنا في الجـ.ـيش السوري الحر مع عـ.ـناصر من تنظيم القاعدة وفروعه كان بوسعه أن يدمـ.ـر كل الجهود التي بذلناها، ولهذا أتت تلك الصور كلعنة ونقمة.

تواصلت مع العكيدي عبر الهاتف وهو في حلب وأخبرته بأن هذا النوع من التعاون من شأنه أن يضـ.ـر بسمعة الجـ.ـيش السوري الحر بشكل كبير في واشنطن وغيرها.

عندها انفـ.ـجر العكيدي وأخذ يطـ.ـلق الشـ.ـتائم التي لابد وأن تطـ.ـرب لها حكومة النظام وداعمـ.ـيها من الروس والإيرانيين لو سمعوها.

بيد أن لغتي العربية لم تكن جيدة بما يكفي لألتقط أدق التفاصيل حول أجزاء الجسـ.ـم ووظائفها المحـ.ـتملة، لكنني فهمت من تقـ.ـريعه الصـ.ـارخ بأنه خاض قتـ.ـالاً ضـ.ـارياً ضـ.ـد قـ.ـوات النظام التي تتمتع بقوة كبيرة، وبأن الأميركيين لم يقوموا بأي شيء من شأنه أن يساعده في ذلك القـ.ـتال، كما لا يمكن اعتبار الوجبات الجاهزة التي قدمتها الولايات المتحدة بأنها نزر يسيـ.ـر من الدعـ.ـم.

وقال لي بشكل مباشر: إذا لم يكن الأمـ.ـيركيون على اسـ.ـتعداد لتقديم المزيد عندها يتوجـ.ـب عليهم أن يخـ.ـرسوا، أما هو فقد كان يحـ.ـاول أن ينجو بجلده، هذا ما أكده لي. تذكرت وعيده وتهـ.ـديده عندما شـ.ـاهدت فيما بعد مقاطع فيديو له وهو يمتدح النصـ.ـرة وداعـ.ـش.

لم يكن العكيدي متطـ.ـرفاً إسـ.ـلامياً، لذا كانت تلك الرسالة محاولة من قبله لدرء أي هجـ.ـوم متـ.ـطرف قد تتعرض له قـ.ـواته التي ركزت على محـ.ـاربة النظام، لكنها فشلـ.ـت،

وذلك لأن الجهـ.ـاديين وبفـ.ـضل مواردهم الكبيرة لابد وأن يتفوقوا في النهاية عليه وعلى من يفكر بعـ.ـقليته من ضـ.ـباط الجيـ.ـش السوري الحر.

ظلت الولايات المتحدة تعبر عن قلقها وخـ.ـوفها من أن تقع تلك الأسلـ.ـحة الصغيرة في حال تم تزويد مقـ.ـاتلي العـ.ـكيدي بها في أيدي المتطرفين عند احـ.ـتدام المعـ.ـركة ولهذا السبب أحجـ.ـمت عن تقديم مساعدة حقيقية.

إلا أننا بحـ.ـرماننا لأشخاص من أمثال العكيـ.ـدي من الدعم الذي يفيدهم، خلقنا نبوءة حققـ.ـناها بأيدينا، إذ في أواخـ.ـر عام 2015، تم تهـ.ـميش هؤلاء القادة مع مقـ.ـاتليهم، ثم إزاحـ.ـتهم بشكل نهائي على يد مجموعات تتبنى أجـ.ـندات طـ.ـائفية، وترفض المفاوضات السياسية التي لم يعد بالإمكان عقدها، تدعمها دول عدة، بل حتى النظام السوري نفسه أصبح يدعمها ويساندها هو أيضاً.

واليوم تحول العكيدي وسليمان إلى لاجئين في تركيا، إلا أنهما كانا أوفر حظاً من رزان التي بقيت في الغوطة الشرقية إلى أن تم اختـ.ـطافها برفقة ثلاثة من زملائها في شهر كانون الأول من عام 2013 على يد مقـ.ـاتلين إسلاميين، أي الأعـ.ـداء عينهم الذين توقعت رزان أن تخوض القـ.ـتال ضـ.ـدهم في نهاية الأمر.

وهكذا اختفى الأربعة، ثم تم العثـ.ـور على جـ.ـثثهم بعد مرور أكثر من عامين على استعـ.ـادة النـ.ـظام للسيطـ.ـرة على الغوطة الشرقية التي لجأ إليها هؤلاء.

لقد شاركت رزان ملايين السوريين في آمالهم ببناء مستقبل أفضل لسوريا في عام 2011، كما شاطـ.ـرت آلاف المدنيين المختـ.ـطفين والمختفـ.ـين في الحـ.ـرب مصيـ.ـرهم.

كانت رزان أصلب الشخصيات التي التقيت بها خلال السنوات الثلاثين التي أمضيتها في المنطقة وأشدهم حصـ.ـافة وبصيرة.

لقد بدأ الرجعيون في محاولاتهم إعادة كتابة تاريخ الانتفاضة السورية التي انطلقت في عام 2011، فاتهـ.ـموا الحركة الاحتجـ.ـاجية بمسحة طـ.ـائفية قوية شـ.ـابتها منذ البداية، وبأن الأميركان هم من حـ.ـرضوا على التظاهر لإسـ.ـقاط الأسد، وذلك تحـ.ـريف خاطئ يجرد شخصيات سورية اتسمـ.ـت بالجـ.ـرأة والتميز من القـ.ـوة التي دفعـ.ـتهم إلى مواجـ.ـهة أحد أكثر الأنظمة وحـ.ـشية خلال الحقبة التي تلت الحـ.ـرب العالمية الثانية.

ويرى البعض أنه كان من الأفضل للأميركيين أن يبتعدوا عن أي تعبير عن الدعـ.ـم للحركة الاحتـ.ـجاجية وللمعارضة في سوريا، وإنني إذ أتفهم شعورهم، إلا أننا لم نمد يد العون لهم كـ.ـثيراً في قضيـ.ـتهم من كل بد.

ولكن هذا يبدو كمن يقول للأميركيين من أمثالي أن عليهم أن يغلقوا أفـ.ـواههم ويبقوا كذلك أثناء قيام النظام بذبـ.ـح آلاف السوريين من ذوي الأصل الطـ.ـيب.

أما أن نقول إنه كان لابد من إجراء مفـ.ـاوضات مع حـ.ـكومة الأسد فهذا الكلام يبدو عـ.ـذراً أقبـ.ـح من ذنب، فلقد حاول المعارضون السوريون وكذلك الولايات المتحدة على مدار سنين أن يأتوا بالجميع بمن فيهم الإيرانيون إلى جنيف في شهر كانون الثاني وشباط من عام 2014، إلا أن حكومة الأسد أوضحت أنه لن يكون هنالك أي تفاوض سياسي.

لذلك يتعين على كل من يتمثل حكمة سيـ,ـاسية عليا أو قيماً أخـ.ـلاقية مثلى أن يتحلى بالصدق على الأقل حيال تداعـ.ـيات الموقف الذي يفضل الانحياز إليه
صحيفة جسر

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.