هل تم تزوير كل التاريخ الإسلامي الأول؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

كتب محمد بن جمعة

من الجدل العلمي الاستشراقي حول القرآن، في القرن العشرين، نشأة مدرسة استشراقية شديدة النقد والتشكيك في أصول القرآن.. تسمى بالانجليزية Revisionists، وبالفرنسية Hypercritique، وبالعربية “التنقيحية”..
يقود هذه المدرسة عدد من المستشرقين على رأسهم جون وانسبرو، وباتريسيا كرون، ومايكل كوك..

وتقوم على التشكيك المطلق في المصداقية التاريخية لما تقدّمه المدونات الإسلامية التقليدية حول تاريخ الإسلام وتاريخ القرآن.. بحيث تعتبر أن كل تاريخ الإسلام الأول تم تزويره ووضع نسخته الرسمية في العهد الأموي..
وأهم فكرة اشتهرت بها هذه المدرسة، هي الدعوى بتأخّر تدوين النصّ القرآني إلى القرن الثاني الهجري.. ويعتقد هؤلاء المستشرقون أن مضمون القرآن المنتشر حاليا، ليس هو القرآن الذي نزل في فترة حياة النبي (ص)، وإنما هو نسخة تم وضعها بتواطئ سياسي وفقهي في العهد الأموي..

في مقابل هذه المدرسة، يوجد مستشرقون آخرون ردّوا على هذه الفرضيات، من خلال الاشتغال العلمي بالمخطوطات القرآنية القديمة وبحث زمن تدوينها بدقّة..

ومن أهم الأسماء في هذا المجال الفرنسي فرانسوا ديروش، الذي قام بدراسة عددٍ من المخطوطات القرآنية في العديد من كتاباته، وتوصّل لكونها تعود إلى القرن الأول الهجري، خلافًا للقول التنقيحي بتأخّر التدوين إلى القرن الثاني..
ويعتبر ديروش حاليا في قمة الباحثين في المخطوطات القرآنية.

ديروش له كتابان شهيران، أحدهما عن تدوين القرآن في القرن الأول، والآخر عن “قرآن الأمويين”.. وتأتي أهميتهما في كونهما يخْتَصِران العديدَ من آراءه في دراسة المخطوطات القرآنية المبكّرة، والتي تبيّن مجانية وعدم علمية تشكيكات “التنقيحيين”.

كتابات ديروش جاءت حافلة بالعديد من النظرات المهمّة حول المصاحف القرآنية المبكّرة، وطبيعة خطوطها وأنماط كتابتها وطرائق تحزيبها، من النظرات التي يمكن أن تسهم إسهامًا جادًّا في إثراء مناقشة الكثير من قضايا علوم القرآن، التي تتصل برسم المصحف والرسم العثماني ومسائل عدِّ الآي وغير ذلك، كما أنَّ بها الكثيرَ من الملحوظات المهمَّة التي يمكن أن تُسْهِمَ كذلك بشدّة في إذكاء البحث المتعلق بالتأريخ للمصاحف، وتطور كتابتها وخطوطها وزخارفها.

ما يهم هنا، بشكل مبسّط ومبدئي، هو ردّ ديروش على مدرسة وانسبرو التشكيكية، بقوله: “فرضيات وانسبرو لم تعد ذات قيمة علمية، باعتبار أن الاكتشافات الحديثة لمصحف صنعاء تؤكد أن القرآن بمحتواه الحالي كان موجودا في حقبة زمنية تم تحديدها بأنها بعد وفاة النبي (ص) بقليل، وربما تكون في عهد الخلفاء، وفي أقصى الحالات بداية العهد الأموي..

تعرضت الدراسة أيضا بالتفصيل لأقدم مخطوط في صنعاء (كتابة على الرق).. وتبين في هذا المخطوط أن هناك نصا قرآنيا تم فسخه عليه، ثم كتابة نص ثاني.. وتمكن الخبراء من فصل النصين، واستخراج النص المفسوخ، ووجدوا اختلافا بين النصين، في مستوى بعض المفردات، وحروف العطف، مع وجود 86% فقط من النص القرآني في النص القديم المفسوخ..

وقد أثار هذا الاكتشاف جدلا علميا، أدى ببعض المستشرقين إلى الحديث عن حصول عملية “تلاعب” و”توجيه” سياسي لنص القرآن.. وهو ما يتعارض أوّلا مع رواية المؤرخين المسلمين، وثانيا مع خلاصة الباحثة أسماء الهلالي التي كتبت أهم وأشمل دراسة عن هذا المخطوط لحد الآن (يقال إنها باحثة تونسية متخصصة في الفكر الإسماعيلي في فرنسا وبريطانيا):
1- لا ينفي المؤرخون المسلمون مسألة اختلاف الصحابة في بعض الكلمات أو الحروف القرآنية.. وأشهر اختلاف معروف واعترف به المسلمون في غير حرج، هو المصحف المنسوب لعبد الله بن مسعود، الذي يحتوي على بعض الكلمات المختلفة، ولا يحتوي على السورتين الأخيرتين (الفلق والناس)، حيث بقي ابن مسعود على رأيه انهما مجرد تعويذتين كان النبي (ص) يقولهما، وليستا من القرآن.. ومصحف حذيفة بن اليمان (في عهد عثمان).

المؤرخون المسلمون يقرّون أيضا بأن عملية جمع القرآن في عهد عثمان إنما حصلت للقطع مع هذه الاختلافات بالفعل، التي بدات تتوسع، بسبب ان غالبية الصحابة كانوا يعتمدون على الحفظ الشفوي، وقليل منهم على التدوين الكتابي.. وفي الكتابة يبدو أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يستسهلون تغيير كلمة مكان كلمة أخرى لتوافقها مع لغة قبيلتهم، كي يفهموها بشكل سليم..

وحين كان حذيفة بن اليمان في الغزو في أذربيجان، لاحظ تفشي الاختلاف المزعج في قراءات الجنود.. وهو ما جعله يراسل الخليفة للتدخل بإرسال نسخة رسمية ملزمة للجميع..

بالتالي، لا أرى ما يستدعي التوجس بعملية “توظيف” أو “توجيه” سياسي مريب أو مثير للشك.. بقدر ما هي عملية “توحيد” تمت من خلال مشورة واسعة، لم تخلُ هي ايضا من ردود أفعال سلبية في بعض الأحيان، من عبد الله بن مسعود وغيره.. فالمشهور أن ابن مسعود قَبِل النسخة الرسمية، ولكنه رفض إحراق نسخته الشخصية، ونصح بعض أصدقائه أيضا بإخفاء نسخهم وعدم إحراقها.. وربما يكون هذا متعلقا بحنين وارتباط عاطفي بالنسخة، أكثر مما هو حفاظ على محتوى مختلف عن القرآن المعتمد رسميا..

نفس الشيء يمكن أن يقال عن مصحف فاطمة، الذي يعتقد الشيعة بوجوده وتوهم البعض أنه قرآن مختلف عن القرآن المنتشر لدى السنة.. في حين أنه عبارة عن نسخة من القرآن، وضعت فاطمة تعليقات وتفسيرات لبعض الكلمات على هامشه، واختلط فيها النص القرآني بالتعليقات.. بما يوحي أن فاطمة كانت قد كتبته لنفسها وليس لغيرها، بحيث تعلم جيدا ما هو داخل في النص القرآني وما هو تعليقها..

2- حسب أسماء الهلالي، النص الأول في مخطوط صنعاء، يبدو أنه كان نوعا من التدريب على كتابة القرآن، من قبل شخص يتعلم الكتابة، حيث وجدت فوارق في جودة الخط.. وعلق بعض المستشرقين بأن هناك فرقا بين نسخة هواة يكتبها أحدهم لنفسه، وقد يخطئ فيها بالنسيان أو الإضافة أو خطأ الرسم، وبين الكتابة الرسمية التي يجتمع لها فريق عمل، يتم فيها الإملاء والتثبت من عدة أشخاص.. وهذا ربما يفسر الاختلافات الحاصلة بين النصين على نفس الرق في مخطوط صنعاء..
___
أختم هنا بالحديث عن عدد المخطوطات التي تم العثور لحد الآن، والتي تعود للقرون الأولى للإسلام.. وما زالت فرق البحث تحاول ترتيبها زمنيا للعثور على أقرب النسخ إلى فترة حياة النبي (ص)..
1- في مسجد عمرو بن العاص (بُني في عام 10هـ):

عثر فيه على بضعة آلاف من النسخ والمخطوطات، تعود لفترات مختلفة.. منها ما تم نقله إلى عدة دول لاحقا.. ومن بينها 250 مخطوطا تم إهداؤها إلى مركز بحوث فرنسي من أجل دراستها زمنيا.
2- مسجد عقبة بن نافع بالقيروان:
تم اكتشاف 66 مخطوط قديم للقرآن، سنة 1896، ويتم حفظها حاليا في متحف رقادة بالقيروان. يعود غالبيتها إلى القرن 3هـ، والقليل منها إلى القرن 2هـ.

واشتغل على المجموعة الباحث التونسي إبراهيم شبوح، والفرنسي فرانسوا ديروش.
3- مسجد الأمويين بدمشق:

تم العثور سنة 1874-1875 على عدة آلاف من المخطوطات القديمة.. تعود لحقبات مختلفة.. وقام عدد من المستشرقين بسرقة عدد منها، مما دفع الدولة العثمانية للتدخل والاستحواذ على عدد كبير منها ونقله إلى اسطنبول لحمايته، وهي حاليا على ذمة متحف طوبكابي ومركز بحوث إرسيكا المتخصص في المخطوطات.. الذي نشر نسخة مطبوعة من مصحف عثمان، ونسخة من مصحف صنعاء، والذي سميّ مصحف علي بن أبي طالب، باعتبار أن الباحثين الأتراك يرون أنه تمت كتابته في عهد علي، وربما بأمر منه..
4- المسجد الكبير بصنعاء:

سنة 1973 تم العثور على 40 ألف مخطوط قرآني من أقدمها وأشهرها، المخطوط الذي سمي “مخطوط صنعاء”..
وبدأت عدة فرق عمل (ألمانية وبريطانية وفرنسية وعربية) على دراستها في السبعينات.. ثم أمرت الحكومة اليمنية بإيقاف بحثها، بسبب الجدل الذي أحدثته بعض مقالات الباحثين المشككة في النص القرآني.. وسمحت الحكومة مجددا لفريق يقود كريستيان روبن بدراستها في 2005-2008.
____
ملاحظة 1:
الرواية الاسلامية تقول أن الصحابة كانوا يكتبون في عهد النبي (ص) بأمر منه.. وأن نسخة ضخمة تم تجميعها وحفظها في بيت حفصة بعد وفاة ابي بكر.. ولكن لم يتم لحد العثور على أي أثر منها..
السبب: الحكومة السعودية منذ نصف قرن ولحد الان، تمنع بشكل قاطع عمليات الحفر والتنقيب في مكة والمدينة.
ملاحظة 2:

غالبية المستشرقين يبحثون في أصل الإسلام وأصل القران، إما من منطلق التعلق والارتباط بالإسلام (يبحثون عن الحق).. أو من منطلق التعلق والارتباط بالمسيحية واليهودية (يبحثون عن علاقة الإسلام بهما، وعن تاريخ المسيحية واليهودية في الجزيرة العربية قبل الاسلام)..
ومهما حاول بعضهم الالتزام بمنهجية علمية، إلا أن قراءتهم كثيرا ما تظهر متحيزة ومبنية على فرضيات يمكن نقدها والتشكيك فيها..

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.