هل تعمّد الأتراك نبذ العرب من الدولة العثمانية؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

سوشال

سقى الله عيشًا مر في زمن الصبا *** وحيّاه عنّي بالعبير نسيمِ
ودهرًا بقسطنطينية قد قطعته *** إذ السعد عبد لي بها وخديمِ
بلاد هي الدنيا إذا ما قطنتها *** فوجه الأماني مسفر ووشيمِ

بهذه الأبيات وصف الطبيب والعالِم “ابن النقيب الحلبي” عيشه أيام صباه وشبابه في عاصمة الدولة العثمانية “إسطنبول”، حيث ملتقى العلماء والشعراء من جميع أنحاء الدولة ومن جميع الأعراق والأشكال والألوان، وهو أمرًا مثبتًا على الدوام في كتب هذا العصر إلا أن بعض التوجهات الفكرية التي طغت على من يكتب التاريخ في دولنا العربية الحديثة جعلت هذه الحقيقة المُسطَّرة في كتب التواريخ موضع شك وطعن، بل والنظر إليها على أنها بحاجة إلى إعادة قراءة بمنهج عرقي أو قومي لا يصح النظر منه إلى هذا العصر، حيث تتلاشى الفكرة العرقية ويحل بديلًا عنها رابطة الدين.

وكثيرًا ما واجهت من بين الانتقادات التي وُجهت للدولة العثمانية أنها نبذت “العرب” وأنه لم يوجد عربي تقلد منصبًا في هذا العهد، وأن بلاد العرب لم تكن إلا الخزينة التي يحصل منها المركز على ما يريده من أموال، وأن المناصب كلها كانت في يد “الأتراك”، وهو أمر تُكذبه الأصول التاريخية التي بين أيدينا، فكتب التواريخ والتراجم والوثائق الخاصة بهذا العهد تذخر بالأسماء العربية التي نالت مناصب عالية بداخل أقطارهم العربية أو بداخل عاصمة الدولة نفسها، مما يقوض هذا الادعاء ويهدمه؛ فلفظة “التركي” نفسها في التاريخ العثماني كانت تُطلق على “الفلاحين” الذين يزرعون الأرض في الأناضول، وهيا تُقابل لفظة “الأعرابي” أو “البدوي” في شبه الجزيرة العربية.

لنظام العثماني طريق في الوصول إلى أعلى المناصب القيادية أو العلمية في الدولة، وهو طريق يستطيع كل مسلم في الدولة أن يسلكه وأن يصل إلى درجاته العُلى إذا أثبت أنه يستحقه، وهو أمر ينطبق على القيادة العسكرية كما ينطبق على نظام القضاء، وهما الفرعان اللذان يحتويا على سلطات قوية تجعل أصحابهم ذات نفوذ وقيادة، وإجمالًا فإن العسكريين يأتون بشكل أساسي من نظام “الدوشرمة” ويؤخذون وهم صغار ليتم تقسيمهم وتربيتهم تربية معينة ليرتقي منهم من يرتقي ليصل إلى منصب وزير أو رئيس وزراء أو حاكم لإقليم، أما النظام القضائي فهو يسير عبر مراحل دراسية تبدأ من الكُتاب أو المكتب ثم إلى مدرسة الولاية لتنتقل بعد ذلك إلى مدارس إسطنبول درجة بدرجة وصولًا لأعلى منصب من حيث تولي الإفتاء أو القضاء أو مشيخة الإسلام، وهي درجات تشترطها الإدارة ليحصل الشخص على لقب درجة وزير أو والي أو رئيسًا للقضاة في ولاية معينة، ومن يسير على دربها من أي عرق يصل لهدفه، وهو أمر سنذكر عليه أمثلة بالأسفل من العلماء العرب.

وقد ولي أكبر المناصب في الدولة من تختلف أصولهم اختلافًا بينًا، فشيخ الإسلام “الملا فخر الدين العجمي” (ت 1460) ثاني عالم يتولى أكبر منصب ديني في الدولة أصله “إيراني” هاجر إلى إسطنبول وتلقى العلم هناك وتدرج حتى وصل لمنصب شيخ الإسلام، كما أن أكبر مؤرخي الدولة مثل المؤرخ “مصطفى عالي” (ت 1600) رجل من أصل كرواتي أو بوسنوي -وما أكثر البوسنويين الذين خدموا الدولة في مواقع مختلفة- كما نجد أن منصب الصدارة العظمى وهو منصب يلي منصب السلطان مباشرة يؤول إلى قائد عسكري مصري مملوكي وهو “عثمان باشا بن أوزديمير باشا” الذي تقلد هذا المنصب في عهد السلطان “مراد الثالث” حفيد السلطان سليمان القانوني، كما نجد عائلة “كوبرولو” الشهيرة التي أنقذت الدولة من أوضاع سياسية واقتصادية وعسكرية صعبة في نهايات القرن السابع عشر عن طريق تقلد منصب الصدارة العظمي هي عائلة ذات أصل ألباني، وهي أمثلة بسيطة وإلا فالحديث في هذا الجانب يطول.

العلماء في عاصمة الدولة
وبالنظر إلى البيئة العلمية في جميع أقطار الدولة، نجد هناك حركة علمية تأخذ بأقدام العلماء من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، فهذا القاضي البوسنوي يُعطى قضاء “مكة المكرمة”، وهذا القاضي البلغرادي يُعطى قضاء “القاهرة”، وهذا القاضي المصري يُعطى قضاء العاصمة، فهناك حركة مستمرة ودائمة من هنا لهناك لم تتوقف في يوم من الأيام على عرق العالِم، لكن أتى التوقف غالبًا من الموقع الجغرافي فالأقرب إلى العاصمة جغرافيًا هم من نجدهم كثيري الزيارة قادمين إليها أو خارجين منها، ومن يسير على نهجها في الدراسة نجده يصل لمنصب قاضي القضاة فيها أو في غيرها، لذا نجد مثلًا في تراجم العلماء الكثير من الشوام الذين وصلوا إلى العاصمة زيارة أو متقلدين لمنصب بينما يقل مثلًا التونسيين أو الجزائريين، واصحب هنا خمس نماذج وصلت إلى درجات عالية وكبيرة في العاصمة، بل وُجد منهم من عاش بقية حياته ومات ودُفن فيها.

نبدأ بأول مثال من العلماء العرب الذين ناولوا مكانة في عاصمة الدولة وهو العالِم الأديب قاضي القضاة “شهاب الدين الخفاجي المصري” (ت 1659) الذي تلقى علومه في القاهرة والحجاز واسطنبول، وكان من شعراء عصره وفضلاء زمانه، وقد ارتحل من مصر إلى إسطنبول والتي تبدت له كما يقول: “مملوءة الفضلاء والأشراف معمورة الأقطار بالأعيان والأطراف” وقد ولي مناصب قضائية كبيرة منها قضاء “سكوب” في “الروملي” (البلقان) وهو منصب قضائي رفيع، وقد حاز الشهاب ثقة السلطان “مراد الرابع” فولاه قضاء “سلانيك” كما ولاه منصب “قاضي عسكر” مصر، وهي مناصب قضائية جليلة كلها إن دلت على شيء فهي تدل على مكانة الرجل الكبيرة التي حاز بسببها أعلى المراتب في الدولة.

أما الشخص الثاني فهو الفقيه والواعظ الشهير “محمد الإسطواني الدمشقي الحنفي” وهو من أشهر الواعظين الذين ترأسوا حركة سلفية/إحيائية في إسطنبول زمن السلطان “مراد الرابع” تُعرف باسم حركة “قاضي زاده”، وقد وصلت مكانة هذه الحركة في عهده ومن بعده إلى أن أقبل الناس على سماع واعظيها في جوامع ومساجد العاصمة بكثرة، وإلى التأثير في القصر السلطاني والقرار السياسي في الدولة، وقد تولى إمامة “جامع السلطان أحمد”، كما تولى الوعظ في “جامع السلطان محمد الفاتح”، وقد عاش فترة من حياته في إسطنبول وتزوج فيها ومات في دمشق.

العالِم الثالث فهو قاضي القضاة “أبو السعود بن عبد الرحيم الشعراني المصري” وهو من نسل عائلة عبد الوهاب الشعراني الصوفي الشهير، وقد ولي منصب قاضي قضاة الشام، كما ولي قضاء “إدرنة” و”بورصة” والعاصمة “إسطنبول”، ثم وصل لأعلى منصب قضائي في الدولة وهو منصب “قاضي عسكر الأناضول”.

نذكر الشخص الرابع وهو أبو بكر بن محمود المعروف باسم “ابن الحكيم المصاحب”، وهو خطيب الجامع الأموي ورئيس أطباء دمشق، أخذ التصوف على الطريقة القادرية، وسافر إلى إسطنبول عاصمة الدولة واتصل بالسلطان “مراد الثالث” حفيد السلطان “سليمان القانوني” وصار نديمًا له -وفي بعض الأقوال أنهم كانوا يتراسلون فقط-؛ بسبب حب السلطان للتصوف والمتصوفة وتقدمت حالته بين موالي الدولة حتى تم الإيشاء به وتدبير مكيدة ابعد على إثرها للقاهرة ومن ثم عاد مرة أخرى إلى القسطنطينية ومات فيها.

ونختم بخامس الفضلاء وهو الشيخ العالِم الطبيب “خليل الحلبي” المشهور باسم “ابن النقيب” -المذكور أول المقال- وقد درس علوم عديدة وجلس فترة يعطي دروسًا في الجامع الأموي، وسافر إلى إسطنبول وتقرب من بعض أصحاب الديوان هناك، وقد اشتهر ببراعته في الطب في المدينة وعالج بعض كبراء المدينة فشُفيوا فزادت شهرته وأقبل عليه الناس، وقد عاش بقية حياته في إسطنبول ذات سمعة طيبة وجاه حتى توفى فيها عام 1563 تقريبًا.

مدونات الجزيرة: الباحث كريم عبد المجيد

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.