فجوة في قانون قيصر الترامبي

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

فقط في سوريا يقتلون القتيل ويبيعون جثته لذويه مقابل مبلغ من المال، ناهيك بالنظام الذي بات يتكفل بتغييب الجثة عن الوجود، ويمنح ذويه تقريراً يفيد بوفاة السجين لأسباب صحية. وذلك لأن مسألة موت السجين في المعتقلات هي من القضايا المعقدة، التي ذاقها أهالي سجناء تدمر وغيره، في حقبة الموت القاسية بعد مجازر حماة الشهيرة قبل أربعين سنة، التي شملت آلاف المعتقلين الذين لم يقر النظام مطلقاً بهم، وبالتالي فإن ثمة حقوق تعطلت منذ ذلك الحين، تتعلق بالمواريث والحقوق، ومسألة نقل الملكيات للعقارات وغيرها من آلاف القضايا العالقة منذ ذلك الوقت، وبهذه الطريقة عاقب النظام الضحايا وعائلاتهم.

في جديد تسريبات صور قيصر المرعبة، راح النظام يلعب على طريقين، الأول أنه بدأ يلزم أهالي الضحايا بالتوقيع على وثائق الوفاة، لكي يتبرأ من مقتلهم في سجونه، معتقداً أن هذا الأسلوب سيدفع أهالي الضحايا إلى تخليص أمورهم القانونية من نقل الملكيات وإثبات الوفاة لأجل إغلاق ملفات عقود الزواج وغيرها، وبنفس الوقت فثمة إقرار من الأهالي أن أبناءهم ماتوا بطريقة طبيعية، ودون أن يتعرضوا للتعذيب أو حتى السجن.

المسألة الثانية أن كشف هذه الصور أمام الملأ، ضاعف من قلق الأهالي على أبنائهم، وخصوصاً مع استمرار حالات الاعتقال التي غالباً لم تكن لأسباب سياسية، فالغالبية الساحقة من المعتقلين كانوا إما من المتظاهرين السلميين، أو من الذين تم اعتقالهم داخل مناطق سيطرة النظام، وكانت أغلب الاعتقالات عشوائية أو كيدية، والهدف منها دفع أكبر قدر من الشبان السوريين للهجرة، لأن النظام كان يدرك منذ اللحظة الأولى أن معركته مع شعب مدني أعزل، وأن الخطورة عليه لا تكمن من طبقة حاملي السلاح، وخصوصاً فئة الجهاديين، لأنهم كانوا أصلاً معتقلين في سجونه، بعدما استخدمهم في وقت سابق في العراق.

مع الكشف عن تسريبات قيصر، بدأت الأجهزة الأمنية تستغل هذه القضية من أجل تحقيق ثروات هائلة، فبدأت تستغل الاعتقالات بشكل مبرمج، حيث أطلقت جيشاً من السماسرة، كانت وظيفتهم التواصل مع عائلات المعتقلين وإبلاغهم بإمكان إطلاق سراح ذويهم مقابل مبالغ طائلة، كانت غالباً مبالغ لا تستطيع أن تتحملها أسرة واحدة، وهو ما أفضى لعمليات تخلي العائلات عن ممتلكاتها مقابل تأمين الأموال اللازمة لإطلاق سراح ذويهم، وعلى هذه الشاكلة، ظهرت جيوش السماسرة في معظم المناطق المنكوبة، لتزيد من نكبة المدنيين الذين عانوا مرارة الحرب والقهر والاضطهاد، ولم تتوان هذه الأجهزة الأمنية عن المساس بالأعراض، وإرسال رسائل موثقة لبعضهم تفيد بتعرض ذويهم لأشياء شنيعة، ما يدفعهم للوقوع تحت وطأة الضغوط والاستسلام لشروط الأجهزة الأمنية المرهقة.

طوال السنوات الماضية لم تتحرك (المعارضات) السورية في الداخل والخارج، ما يكشف عن مستوى القهر الذي يعانيه الضحايا في معتقلات النظام، فقد بقي الخطاب السياسي للمعارضة والوجوه السياسية الممثلة لها لا يتجاوز الظهور الإعلامي، والمؤتمرات، وغير ذلك، وحتى عندما ذهبت المعارضة والنظام إلى المباحثات السياسية، كانت القاعدة التي انطلقت منها الحوارات منافية لكل قوانين الحروب عبر التاريخ، تماماً كما هي جريمة النظام بحق المعتقلين لم يسجل لها التاريخ مثيلاً من قبل.

في جميع قوانين المفاوضات في الدنيا هناك نقطتان للحوار، الأولى تتضمن تحقيق سلامة الأفراد، والثانية تتضمن تحقيق توافق حول الحقوق، إلاّ في المفاوضات السورية، فإن الحاضر الأول كان الجدل حول الحقوق والمصالح، وكان الغائب الأكبر هو سلامة الإنسان، الذي كان بين المعتقلات، وشتات المخيمات المميتة.

الفجوة الزمنية بين كشف التفاصيل عن وثائق قيصر وبين إقرار القانون، كان الجلاد خلالها يقتل الناس، وكان الضحايا (المدنيون) خلالها ينزفون، ولا يزالون.

الكاتب أيمن خالد لموقع نينار برس
“جميع المقالات في الموقع تعبّر عن رأي كتّابها

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.