إفلاس الإسلاموية والتشبث بالكاريكاتور الفرنسي لرفع الرصيد الهابط

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

علي سيريني
إفلاس الإسلاموية والتشبث بالكاريكاتور الفرنسي لرفع الرصيد الهابط

بعد عشرات المرات، تكرر الجماعات الإسلامية وأنظمة تدعي الإسلام نفس الخطأ تعمداً، دون مراعاة لقواعد الشرع، لأن إندفاعهم نحو تكرار نفس الخطأ ليس كما يبدو ظاهرا الدفاع عن الإسلام، بل مصـ.ـالح سياسية حتى و لو كانت بالضـ.ـد مع مبادئ الشرع الإسلامي، بل ومصالح المسلمين أنفسهم.

قصة انتقادات السياسيين الفرنسيين للإسلام، وقصة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي (ص)، معروفة و قديمة، في فرنسا ودول أوروبا الأخرى.

إن الموقف الشرعي الصحيح تجاه هذه الرسوم، هو مرور المسلم بها مرور الكرام، لأنها تندرج ضمن ما يُعرف باللغو.

فالإنسان المسلم مطلوب منه بنص القرآن، أن لا يقف عند اللغو، فيعطيه قيمة ومكانة في حياته (وإذا مروا باللغو مروا كراما).

هذا المبدأ يعمل به الغربييون أكثر من المسلمين، ولعل الفارق أن الغربيين يشبهون البحر الذي إن غرقت فيه حتى أساطيل سفن، يتم ذلك بهدوء دون إشعار الآخرين، بينما المسلمون يشبهون بركة ماء صغيرة تهتز كلها حتى بمجرد رمي حجر صغير فيها.

بعيدا عن هذا التوصيف، ولو قلنا أن الإسلاميين و الأنظمة التي تدعي الإسلام، ينطلقون من منطلق الدفاع عن الإسلام و الغيرة عليه، فالمفروض هو أن يقدموا نموذجا صحيحا و راقيا عن الإسلام يجذب إعجاب و إحترام الآخرين.

مثلا أن يقتدوا بالنبي (ص) في حلمه و هدوئه و رحمته، أثناء العنـ.ـف و الإهـ.ـانة التي كان يتلقاها من المشركين و الكافرين.

لكن الواقع يثبت العكس. لنأخذ مثلا تركيا، التي تراجعت حكومتها عن الكثير من الشعارات التي رفعتها في السنوات التي مضت.

فحكومة العدالة والتنمية بدأت منذ مدة ليست بقصيرة تتصدع بحدة، منكسرة على خصومة مليئة بالإتهـ.ـامات المتبادلة بين أعضائها، ليس أقلها الفـ.ـساد و الكـ.ـذب.

أما التعامل مع الشعب الكُردي في تركيا ففي الواقع، لم تتمالك الشعارات المهـ.ـلهلة عن الأخوة في الدين والوطن، أمام التراكم التأريخي الثقيل من الأحـ.ـقاد العنـ.ـصرية التركية ضد الشعب الكُردي، التي أسسها أتاتورك، ليس في تركيا وحدها بل وفي العالم.

مع العلم أن الشعبان يتشاركان في المذهب الواحد دينيا، فكلاهما من السنّـة. لكن تركيا السنّية التي تحـ.ـارب الكُرد السنّة بسبب الإختلاف القومي، تساند وبكل قوة الآذريين الشيـ.ـعة، فقط لأنهم يتكلمون التركية ويحـ.ـاربون الأرمن.

أما إيران الإسلامية، فهي الأخرى نموذج من هذه النماذج التي تقدم إسلاما عليلا مخجلا، مثلما تقدمه الحكومة التركية بقناع الخـ.ـداع الذي تختفي وراءه عنصـ.ـرية قومية نـ.ـتنة.

فإيران الشيعية تدعم الأرمن المسيـ.ـحيين ضد الآذريين الشيعة، لأنهم يتكلمون التركية، ولديهـ.ـم قرابة لغوية مع الأتراك السنّة، في وقت لديهم حساسيات قومية مع الفرس الشيعة.

ومعنى هذا، أن الإسلام المدعى، ليست له أهمية في موقف النظـ.ـامين الإسلاميين في طـ.ـهران و أنقرة من الصـ.ـراع الآذري الأرمني.

أما الحديث عن طمس حقوق الناس و الجماعات، و الحديث عن غياب العدالة والحرية في كلا البلدين، فحدث و لا حرج.

فالقـ.ـتل والتعـ.ـذيب و الفقر و الظلم، من الأمور التي يئـ.ـس الناس من مكوثها و تجذرها لعقود طويلة، وكأنهم باتوا لا يسألون عن سببها ظنا أنها من الحتميات المفروضة عليهم!

لنعد إلى قصة الكاريكاتورات في فرنسا. يشـ.ـدد القرآن على مبدأ الحوار و الجدال بعيدا عن الهيجـ.ـان و الغضب و الإنفعال.

ولو كان عموم المسلمين يربون أنفسهم و أولادهم على هذه القيم، لما خرج بينهم شاب يقتـ.ـل معلمه لمجرد تناوله للكاريكاتورات المسيئة لدين الإسلام.

بل لتصرّفَ هذا الشاب بلباقة وحـ.ـكمة أشعرت الساخرين بالخـ.ـجل و الندم، ولرَدّهم إلى نفوسهم يؤنبون ضميرهم أنهم يسيـ.ـئون لمشاعر أناس مؤدبين!

ماذا عن جـ.ـريمة التلميذ المسلم، المهاجر إلى فرنسا مع عائلته التي لاقت في فرنسا ما تحلم به ملّة التلميذ الأصلية، بل و ربما عموم المسلمين؟ هل هذه الجـ.ـريمة تخالف الشـ.ـرع؟ إذا كانت تخالف الشرع، لماذا يحول المسلمون فعلته إلى عمل بطولي بدل إدانته، بل ويستغـ.ـرقون بشكل هستيـ.ـري في الذهاب بعيدا في الصخب والهيجـ.ـان، ضـ.ـد ردة فعل فرنسا تجاه قـ.ـتل المعلم الفرنسي بيد تلميذه المهاجر.

هل يقبل المسلمون في بلدانهم، أن يقـ.ـتل تلميذ أوروبي مهاجر إليهم معلما مسلما أو عربيا؟! وماذا عن مبادئ الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة، و الجدال بالتي هي أحسن، وتلك الآيات الكثيرات التي تحـ.ـث المسلمين على الحوار و الجدال بالبرهان و المـ.ـنطق؟

أما الدعوة إلى مقاطـ.ـعة المنتوجات الفرنسية فهي العجب العـ.ـجاب.

فهذه الدعوة العاطـ.ـفية التي دعت إليها جماعات و جهـ.ـات إسلامية، بطريقة مسرحية، يغلب عليها الصخب و المزايدة، ليست خالية في نفس الوقت من أجـ.ـندات سياسية معينة.

فتركيا التي لها حساسيات معينة مع فرنسا تريد توظيف هذا السياق لصالح أجـ.ـنداتها التي لا علاقة لها بقـ.ـضايا الديـ.ـن، تماما كما تعاملت سابقا مع الثورة السورية، وكان هـ.ـدفها الأساس القـ.ـضاء على إدارة المنطقة الكُردية في شمال سوريا، وشاركت في إجـ.ـهاض الثورة السورية من أجل هـ.ـدفها ضـ.ـد الكُرد.

كما أن تركيا تعاونت مع إيران الشيعية في عام 2017، ضـ.ـد إقليم كُردستان السنّي، بعد الإستفتاء الذي جرى هناك. وقام أردوغان يتـ.ـهم إقليم كُردستان بالعلاقة مع إسرائيل، و تزويدها بالنفط، علما أن تركيا لها علاقات متينة مع إقليم كُردستان و مع إسرائيل منذ سنين طويلة، و إذا كان هناك نفط الإقليم يذهب إلى إسرائيل فهو يمر بالأراضي التركية و بموافقة الأتراك!

إن دعوة مقاطعة البضائع الفرنسية، دعوة سياسية صادرة من جهات معينة. هذه الدعوة لا علاقة لها بالشرع الإسلامي، والمتضرر منها في المقام الأول هم المسلمون في فرنسا.

ففي فرنسا يعـ.ـيش حوالي ستة ملايين من المسلمين تأويـ.ـهم فرنسا و تعيل عائلاتهم. فإذا كان لا بد من مقاطعة البـ.ـضائع الفرنسية، فالأولى إيجاد مكان آخر للمسلمين الفرنسيين أولا، لأنهم الأولى بمقاطعة بضائع دولتهم الكـ.ـافرة.

ولعل في إيجاد المأوى لهم في تركيا و في الدول الحليفة لها، الحل الأنجح، لكي تكتمل مسرحية مقاطعة البضائع الفرنسية بشكل يقبله العقل السليم.

وكذلك لأن إقامة المسلمين في تركيا و في الدول الحليفة لها، خير من أن يعـ.ـيشوا في كنف دولة فرنسا التي تهـ.ـين عقـ.ـيدتهم و نبيهم.

أما أنا فأقول: لا تقاطعوا البضائع الفرنسية، لأن جزءا من ريع المنتوجات الفرنسية يذهب كمـ.ـعونات الضمان الإجتماعي للمسلمين الذين خاطروا بحياتهم من أجل الوصول إلى جـ.ـنة فرنسا والتنعم بالعيـ.ـش فيها، مع أن دولهم المسلمة مازالت قائمة و فيها مساحات شـ.ـاسعة للعـ.ـيش فيها، لكنهم تركـ.ـوها طـ.ـواعية لأن نمـ.ـط الحياة في فرنسا أحلى و أجمل و أرقى!

أما الدرس الذي نتعلمه في هذه المخـ.ـجلة هو أن الأنظمة و الجماعات الإسلاموية هي التي تشوه سمعـ.ـة الإسلام، وأن المسلمين مازالوا بعيدين جدا من أن يكونوا مؤهلـ.ـين لتقديم صورة جميلة عن ديـ.ـنهم الذي هو الضـ.ـحية الكبرى لتخـ.ـلفهم و جهـ.ـلهم و تخبـ.ـطهم.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.