يوم سـ.ـرقوا الحجر الأسود واحـ.ـتلوا الكعبة المشرفة!

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

متابعة
يوم سـ.ـرقوا الحجر الأسود واحـ.ـتلوا الكعبة المشرفة!

لم يكن يتصور أحد أن جـ.ـهيمان العتيبي الذي أطلق على نفسه المهـ.ـدي، ودخل وأتباعه البيت الحـ.ـرام، مدجـ.ـجا بأعتى الأسلـ.ـحة، ليفعل تلك الجـ.ـريمة

لولا تواترها ومشاهدها التي لا تزال حاضـ.ـرة إلى اليوم، لكن الأكثر سوءا مما ارتكـ.ـبه جهـ.ـيمان كان قد وقع قبل ذلك بألف عام في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي

حين انتهـ.ـكت عصـ.ـابة من المجـ.ـرمين البيت الحـ.ـرام وقتلوا أهله وسـ.ـرقوا الحجـ.ـر الأسود دون أن يرفّ لهم جـ.ـفن، أولئك هم القرامطة. فمن هم القرامطة الذين فعلوا ذلك؟

وكيف ظهروا على مسرح أحداث التاريخ الإسلامي؟ وما أبرز أفكارهم؟ ولماذا وقفت أمامهم الجيـ.ـوش عاجزة عن قمـ.ـعهم ووأد حركتهم؟ ثم لماذا دخلوا البيت الحـ.ـرام منتهـ.ـكين حـ.ـرمته ومقـ.ـتّلين أهله وعـ.ـبّاده؟!

الخروج من رحـ.ـم التشيع!
باستـ.ـشهاد الصحابي الجليل الحسين بن علي -رضي الله عنه- في موقعة كربلاء، ظهرت حركة قوية تؤيد آل البيت ورجالاتهم ضـ.ـد السـ.ـلطة الأموية والعباسية فيما بعد،

لقد رأى هؤلاء أن العلويين هم الأحـ.ـق بالخلافة وتولية أمر المؤمنين، وسرعان ما أُطلق على هذه العُصـ.ـبة من الأنـ.ـصار “شيـ.ـعة آل البيت”.

قاد سلسلة من أبناء وأحفاد علي بن أبي طالب قـ.ـيادة الحركة العلوية، وسرعان ما اعتقد في هؤلاء طـ.ـائفة تقول بإمامتهم، ويرون أن عليا بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد أوصى له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنص،

والأوصياء من بعده أبناؤه من فاطمة بنت النبي، ثم انقسموا على أنفسهم فرقا كثيرة كان أبرزهم “الاثنا عشرية” هؤلاء الذين يرون أن الخلافة بعد الحسين بن علي -رضي الله عنه- لأحد عشر ابنا وحفيدا معلومين بأسمائهم وأشخاصهم وصفاتهم،

تبدأ بالحسين ومن بعده محمد الباقر ثم جعفر الصادق ثم موسى الكاظم ثم محمد الجواد ثم علي الهادي ثم الحسن العسـ.ـكري ثم محمد بن الحسن العسكـ.ـري وهو الإمام الغائب عندهم، الذي يعـ.ـتقدون “رجـ.ـعته”.

ومن الاثنا عشرية انبثق الإسماعيلية الذي يرون أن الأحـ.ـق بالإمامة ليس موسى الكاظم بن جعفر الصادق وإنما ابنه الآخر إسماعيل بن جعفر الصادق، ورأوا أن ذلك كان بنصّ من أبيه جعفر ولكنه مـ.ـات قـ.ـبله،

ومن هنا تتحول سلسلة الأئمة إلى أبناء إسماعيل بن جعفر الصادق بدلا من موسى الكاظم وعقبه، وكان من أحفاده عبد الله المهدي الذي ظهر في شمال أفريقيا وملك المغرب وتوسع حتى مصر مُنشئا الدولة الفاطمية

وجنبا إلى جنب عمل القرامطة الأوائل وعلى رأسهم زعـ.ـيمهم الذي تُنـ.ـسب إليه هذه الطـ.ـائفة وهو حمدان القرمطي مع الإسماعيلية، داعيا إليها، ومؤمنا بها، وكانت الحـ.ـركة الإسماعيلية تسير وفق مخطط دعوي دقيق،

وتنظيم هـ.ـرمي على غاية من التعقيد والسرية لضـ.ـمان عدم انكشافها أمام السلطـ.ـات العباسية التي كانت تتبع أي حركة علوية يُشم من ورائها الاشتباه في إمكانية قيامها بمعارضة مسـ.ـلحة.

واتخـ.ـذوا من مدينة واسط العراقية مقرا لهم في بادئ الأمر، حيث كان جوها ملائما لنمو الدعـ.ـوة وانتشـ.ـارها، وكان جل أهلها من الفـ.ـقراء وممن وقعت عليهم مـ.ـظالم من ولاة الحكم العـ.ـباسي، ومن هنا استـ.ـجاب أكثـ.ـرهم إلى القـ.ـرامطة، وانخـ.ـرطوا في صـ.ـفوفهم

لكن حمدان القرمطي عمد إلى بناء مركز لدعـ.ـوته قرب مدينة الكوفة، المعـ.ـقل الأهم والأكبر، والمحـ.ـضن الأشهر للحركات الشـ.ـيعية منذ الدولة الأموية وإلى ذلك الحين، فسمّاه “دار الهجـ.ـرة”، واتخذه منطلقا لبثّ دعوته

ومركزا تتجمع فيه العنـ.ـاصر التي اقتـ.ـنعت بنظرته، واعتـ.ـمدت هذه الحركة المنظمة السرية على عنـ.ـصر المال في تقوية مركزها، حيث فرض حمدان القرمطي على أتباعه ضـ.ـرائب ثابتة، استطاع من خلالها تجنـ.ـيد وجلب المزيد من الأتباع والمـ.ـؤمنين بأفكاره.

استطاعت الدولة العباسية أن تقبـ.ـض على بعض أتباع القرمطي، ورأت فيهم خـ.ـطرا شديدا على الأمن العام في العراق، فضلا عن انتشار دعوتهم وأفكارهم المتـ.ـطرفة، وأرادت السلـ.ـطات وعلى رأسها الخليفة نفسه أن يقفوا على إيمان هؤلاء وإلامَ يرمون

لكن أبرزت الاستجـ.ـوابات أن القـ.ـرامطة كانوا يؤمنون إلى النهاية بأفكارهم وأيديولوجيتهم دون إعلان لها أمام السـ.ـلطات، وقد استغلوا ثورة الزنج التي قامت في سواد العراق وهي المناطق التي غلب فيها العمل الفلاحي والزراعي

وقام فيها الزنج أو العبيد القادم من أفريقيا واستـ.ـقروا في هذه المناطق تحت تأثير بعض الدعاة بالخروج والمطالبة بحقـ.ــ.ـوقهم، فاستغل القرامطة هذه الثورة المسـ.ـلحة التي استمرت 15 عاما متصلة، فوسّـ.ـعوا فيها دائرة دعوتهم، واستقـ.ـطبوا الآلاف إلى أفكارهم، حتى إن بعض الناس جاءوا إلى بغداد مـحذرين الخـ.ـلافة من خطورة هذه الدعوة التي كانت تتخذ منحى أشد تطـ.ـرفا كلما تقادم العهد بها.

فيروي الطبري في تاريخه أن مجموعة من أهل الكوفة قدموا إلى بغداد ليحذّروا من خطورة القرامطة، وقالوا في بيان شهـ.ـادتهم إن القرامطة “أحـ.ـدثوا ديـ.ـنا غير الإسلام

وأنهم يرون السـ.ـيف على أمة محمد”، لكن السلطـ.ـات العباسية لم تسمع لهم، بل ثبت أن أحد ولاة غربي العراق آنذاك كان يأخذ من القرامطة دينارا على كل شخص سنويا، مما جعله يغض الطرف عنهم[

التمدد العسـ.ـكري للقرامطة
قسّم حمدان القرمطي دعوته، وجعل صـ.ـهره عبدان أداته الرئيسية، ـوالعقل الذي يُنظّر للفكرة القرمطية، فألّف معظم كتب الفرقة المقدّسة، ولكون عبدان كان الرأس المدبر للأفكار والتنظيم

فقد عيّن رجلين في منطقتين كانتا تشهـ.ـدان استقطابا وحـ.ـراكا كبيرا لأفكار القرامطة، فكان الأول زكرويه الذي عُيّن داعي القرامطة الأكبر في غرب العراق، وأما الرجل الثاني فكان أبو سعيد الجـ.ـنابي في منطقة فارس الجنوبية، وبقي قرمط نفسه في منطقة قريبة من بغداد تأتيه أخبار العاصمة، كما تأتيه أخبار الإسماعيلية في بلاد فارس فيعمل ويُخطط بناء على ما يأتيه من أخبار من كلتا الجهتين.

امتد نشاط القرامطة بعد وفـ.ـاة الخليفة العباسي القوي المعتضد بالله سنة 289هـ إلى الشام، ثم إلى العراق، وفي تلك الأثناء كان داعي القرامطة في بلاد فارس الجنوبية أبو سعيد الحسن بن بهـ.ـرام الجنابي أكثر الدعاة نشاطا في دعوته

وقد لعب على وتر القومية لعبا أدى إلى نجاح كبير، فقد كان ينشر بين الناس أن الله يـ.ـمقت العرب لأنهم قـ.ـتلوا الحسين، وأنه يحـ.ـب رعايا الأكاسرة وخـ.ـلافاءهم؛ لأنهم الوحيدون الذين قاموا لنصرة حقوق الأئمة من آل البيت في الخلافة

وأن هناك بعض الأخطاء في الكثير من أوامر الأنبياء، وقد أثرت هذه الأفكار في الفرس تأثيرا سريعا وواسعا، وبينما هو في تلك الحالة من الانتشار بين أهل فارس إذ داهـ.ـمت الشـ.ـرطة العباسية مقاره، واستـ.ـولت على أمواله، ونـ.ـجا الرجل بأعـ.ـجوبة من بين أيديهم، وقد تزامن ذلك مع إرسال حمدان قـ.ـرمط إليه يطلبه للمثـ.ـول بين يديه في العراق.

اجتمع الرجلان الخطيران في كلواذى قرب بغداد لأول مرة، وحين جالسَ حمدان قرمط أبا سعيد الجنابي رأى فيه ذكاء وفطنة وإخلاصا للدعوة، واستقر الرأي أن يتجه صوب البحرين التي تعني الآن شرق الجزيرة العربية كلها من جنوب البصرة حتى عُمان

فقد كانت الدعوة تنتشر بين قطاع كبير من البدو ومن بقايا ثورة الزنج الذين آثروا الهـ.ـروب إلى صحراء الجزيرة العربية بعيدا عن جيـ.ـوش العباسيين، لذا كانت الأرض ممـ.ـهدة للجنابي

وكان نجاحه باهرا، بل إنه سرعان ما تزوج بابنة رجل مرموق في تلك المنطقة اسمه الحسن بن سنبر، وكان لقوته ومكانته الاجتماعية أثرها في انتشار الدعوة القرمطية بين القوم في تلك المناطق، وما جاء العام 286هـ

إلا وكان أبو سعيد الجـ.ـنابي مسيطرا على معظم بلاد البحرين، واستـ.ـولى على القطيف، وبدأ الجنابي يستخدم منذ تلك اللحظة القـ.ـوة المسـ.ـلحة في إجبار القرى على الطاعة له، يقول الطبري في ذلك:

“وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبى سعيد الجنابى بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وكان خروجه -فيما ذكر- في أول هذه السنة (288هـ)، وكثُر أصحابه في جُمادى الآخرة، وقوي أمرُه، فقتل مَن حوله من أهل القرى، ثم صار إلى موضع يُقال له القطيف، بينه وبين البصره مراحل، فقَتل من بها”

وبسبب هذه الأخبار الخطيرة أرسل معاون البصرة والمناطق التابعة لها إلى السـ.ـلطات العباسية طـ.ـالبا تعزيز وحماية مدينة البصـ.ـرة، وبناء سور جديد قوي، فجـ.ـاءته الموافقة على ذلك، وأنفق على بناء هذا السـ.ـور مبلغا كبيرا كما روى الطبري في تاريخه.

على الفور اجتمع الخليفة العباسي المعتضد بالله مع كبار رجاله وأمرائه وانتهى الحال إلى إرسال فرقة عسـ.ـكرية مدعومة بعدد من المتطـ.ـوعين تخرج من مدينة البصرة في الجنوب العراقي، على رأسها عباس بن عمرو الغنوي

لمواجـ.ـهة أبي العباس الجنابي القرمطي وسـ.ـحق حركته قبل استفحالها، لكن قـ.ـوات العباسيين بقيادة الغنوي انهـ.ـزمت بصورة مفجعة، وقتـ.ـل جُلّ من اشترك فيها، بل إن قـ.ـائد الحملة العسـ.ـكرية الغنوي وقع في الأسر، وفي نهاية الأمر أفرج الجـ.ـنابي عنه وحمّله رسالة فيها من التهـ.ـديد والوعـ.ـيد إلى الخليفة المعـ.ـتضد في بغداد!

كانت هذه الهـ.ـزيمة المفـ.ـجعة من أقوى أسباب تقاعس العباسيين عن إخراج حملات عسكـ.ـرية أخرى صوب شرق الجزيرة العربية، وتُرك شأن هذه المنطقة لأبنائها يدافـ.ـعون عنها، لكن خـ.ـطر القرامطة كان يستـ.ـفحل كل يوم

وأخيرا في العام 290هـ قطع الجنابي عن منطقة هجر “قطر” المياه، واستطاع السيطرة عليها، ونزل فيمن لم يقبل دعوته وينـ.ـحز إليه بالسـ.ـيف قتـ.ـلا وتعـ.ـذيبا، وفي نهاية المطـ.ـاف تم تخـ.ـريب المدينة وهـ.ـدمها، والانتقال إلى الأحساء لتكون العاصمة الجديدة للقرامطة في شرق الجزيرة العربية

وبينما أبو سعيد الجنابي يوسع من نفوذ القرامطة في الأحساء والبحرين وهجر، فإن الفرع الآخر من القرامطة في غرب العراق كانوا في حالة نشاط وتوسع، بل دخلوا في مواجـ.ـهة مسلـ.ـحة مع بعض الولاة العباسيين

وانتصـ.ـروا عليهم في بادئ الأمر، وقـ.ـتلوا كثيرا من العسـ.ـكر العباسي، لكن سرعان ما هـ.ـزمهم العباسيون وقـ.ـتلوا كثيرا من أمرائهم وكبارهم، واستطاعوا أسـ.ـر البقية منهم وكان منهم رجل مشهور اسمه أبو الفوارس الذي حكـ.ـم عليه قضـ.ـاة الدولة بالإعـ.ـدام، وقد وعدَ الجميع بأنه سيعود بعد أربعين يوما من مقـ.ـتله، الأمر الذي سبّب شـ.ـغب واستـ.ـثارة العامة في بغداد.

يقول المسعودي: “فكان يجتمعُ في كل يوم خلائق من العوام تحت خشبته، ويحصون الأيام، ويقتتلون ويتناظرون في الطرق في ذلك، فلما تمت الأربعون يوما وقد كان كثر لغطهم، واجتمعوا فكان بعضهم يقول هذا جسـ.ـده، ويقول آخر قد مرّ، وإنما السلطان قتـ.ـل رجلا آخر وصلبه موضعه لكي لا تفـ.ـتتن الناس، وكثر تنـ.ـازع الناس حتى نودي بتفـ.ـريقهم”

لم يتوقف نشاط القرامطة في العراق وشرق الجزيرة العربية، بل امتد حتى بادية الشام وعمق بلاد الشام نفسها حين هـ.ـزموا واليها طغج الإخشيد سنة 289هـ وكادوا يسـ.ـتولون على دمشق بعد حصار طال

ثم استطاعوا في نهاية الأمر السيـ.ـطرة بالقـ.ـوة المسلـ.ـحة الغاشمة على كلٍّ من حماة ومعرّة النعمان وبعلبك وسلمية، وفي سلمية، معقل الدعوة الإسماعيلية، المدينة التي خرج منها عبيد الله المهدي الذي تختلف الروايات في نسبه ما بين ـ.ـقـ.ـائل إنه من أحفاد جعفر الصادق وبين قـ.ـائل إنه مُدّعٍ، في هذا المعـ.ـقل الإسماعيلي التاريخي أنزل القرامطة جام غضـ.ـبهم وسخـ.ـطهم على أهل المدينة كما أظهروا مدى وحـ.ـشيتهم في المدن الشامية الأخرى.

وفي هذه الوحـ.ـشية يقول الطبري المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث: “سار منها (القرمطي) إلى حماة ومعرّة النعمان وغيرهما، فقـ.ـتل أهلها، وقتـ.ـل النساء والأطفال، ثم سار إلى بعلبك فقـ.ـتل عامّة أهلها حتى لم يبقَ منهم -فيما قـ.ـيل- إلا اليسير

ثم سار إلى سلمية فحـ.ـاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثم وادعهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدأ بمن فيها من بني هاشم، وكان بها منهم جماعة فقـ.ـتلهم، ثم ثنّى بأهل سلمية فقـ.ـتلهم أجمعين. ثم قـ.ـتل البهائم، ثم قتـ.ـل صبيان الكتاتيب، ثم خرج منها، وليس بها عين تطرف -فيما قيل- وسار فيما حوالي ذلك من القرى يقتـ.ـل ويسـ.ـبي ويحـ.ـرق ويخـ.ـيف السـ.ـبيل”

ويأتي الطبري بقصص مأساوية على فظـ.ـائع وجـ.ـرائم القرامطة في تلك الأوقات، فقد تطور مذهبـ.ـهم وأصبح في نفسه دينا مغايرا للإسلام، حتى إن الطبري يروي أن ابنا دان بالاعتقاد القرمطي قد تبرّأ من أمه التي بحثت عنه طويلا ولأشهر كثيرة لأنها ظلت على الإسلام ولم تدخل في ديـ.ـن القرامطة على حد زعـ.ـمه،

بل يروي الطبري أيضا أن امرأة هاشـ.ـمية من العلـ.ـويين لم تسلم من فظـ.ـائعهم فقد تناوب على اغتـ.ـصابها والعيـ.ـش معها أربعة من القـ.ـرامطة حتى إذا حانت لحظة ولادتها قالت شاكية: “فأنا مُقيمة معهم أربعتُهم، والله ما أدري ممن هو هذا الولد منهم!

وتؤكد هذه الحادثة وغيرها مما هو أفـ.ـظع أن القرامطة كانوا يتوارون خلف التـ.ـشيع الإسماعيلي، بل ينقل ابن الجوزي عن المؤرخين المعـ.ـاصرين لهم أن زعيـ.ـم القرامطة الثاني أبا طاهر الجنابي دخل الكوفة عدة مرات وبها قبـ.ـر الإمام علي -رضي الله عنه-، “فما دخل إلى قـ.ـبر عَليّ عليه السلام واجـ.ـتاز بالحائر فما زار الحسين. وقد كانوا يمخـ.ـرقون بالمهدي ويُوهـ.ـمون أنه صاحب المغرب (الفاطميون)

ولخطورة القرامطة واعتقادهم المخالف للإسلام كلية ألّف الإمام ابن الجوزي رسالته الشهيرة “القرامطة” والتي يقول فيها: “اعلم أن مذهـ.ـبهم ظاهره الرفـ.ـض “التشيـ.ـع” وباطنه الكـ.ـفر، ومفـ.ـتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم

وعزل العقول أن تكون مدركة للحـ.ـق لما يعترضها من الشبهات… هذا مبدأ دعوتهم، ثم إن غاية مقصدهم نقض الشـ.ـرائع… وقد ثبت عنهم أنهم يقولون بإلهـ.ـين قديمين… وكلهم أنكر القيامة.. ثم إنهم يعتقدون استبـ.ـاحة المحـ.ـظورات، ورفع الحجر… وغرضهم هـ.ـدم قوانين الشـ.ـرع”[10].

وإذا كان القرامطة عاثوا فـ.ـسادا في العراق موطن الخلافة العباسية وبلاد الشام وشرق الجزيرة العربية، قـ.ـتلا واغتـ.ـصابا وارتكـ.ـابا للمجـ.ـازر الجماعية، وهـ.ـزموا كثيرا من الحمـ.ـلات العسـ.ـكرية حتى من أشهر القادة، فإنه ما إن بدأ القرن الرابع الهجري إلا وتطورت أفكارهم ومعتقداتهم وخططهم العـ.ـدوانية تجاه المسلمين إلى ما هو أشـ.ـد وأفـ.ـدح.

فقد بدأ الاتصال بين القرامطة من جانب والدولة الفاطمية الناشئة في المغرب العربي قبل الانتقال إلى مصر من جانب آخر، لكن في العام 300هـ وعلى حين غرة دخل أحد عبيد أبي سعيد بن بهرام الجنابي الفارسي عليه حين غرة، فقلته

وارتـ.ـقى من بعده ابنه أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي، ومع ارتقائه لزعـ.ـامة القرامطة في الجزيرة العربية تتوثق الصلات بين الفاطميين الإسماعيلية وبين القرامطة رغم الاخـ.ـتلاف في اعتقاد الأئمة عند كلٍّ منهما، لكن العـ.ـداء المشترك للعباسيين جعلهم يدخلون في تحالف سري.

وكان التحالف الجديد شديد الخـ.ـبث، صريح العـ.ـداء، أراد منه كلٌّ من القرامطة والفاطميين تدنيس وإضعاف صورة العباسيين في المخيال السني الجمعي في كافة بقاع العالم الإسلامي، وقرروا ضـ.ـرب هذه المكانة

وإظهارها بمظهر الضعف في أهم بقعة ديـ.ـنـ.ية للمسـ.ـلمين كافة، في مكة المكرمة، وفي طريق الحجيج والمعتـ.ـمرين، فبدءا من العام 312هـ، كانت أولى هجـ.ـماتهم الكارثية على قوافل الحجاج والمعتمرين، حيث خرج ألف راجل وثمانمئة فارس قرمطي من البحرين متعـ.ـرضين لأكبر قافلة للمعتمرين حينها، كانت تضم آلافا من الرجال والنساء والبضائع

وقدر شهود العيان أن القرامطة ذبحوا 2200 رجل و500 امرأة، وأخذوا الآخرين أسـ.ـرى إلى هجر، أما الغـ.ـنائم فقُدّرت بمليون دينار ذهبي فضلا عن غيرها، كما وأسقـ.ـطوا شعار العباسيين في الحج حيث استولوا على العلم العباسي أو الشمسية[11]، وكانت أكبر إهـ.ـانة توجّه للخلافة العباسية التي وقفت عاجزة مرة أخرى أمام مذبـ.ـحة جماعية سـ.ـال فيها الد..م أنهـ.ـارا في قلب الجزيرة العربية!

الاعـ.ـتداء الإجـ.ـرامي على بيت الله وحـ.ـجّاجه!
استمر هجـ.ـوم القرامطة على أطراف مكة، وطرق الحج القادمة من العراق والشام وغيرها، الأمر الذي أثّر بالسلـ.ـب في أعداد الحجاج القادمين، وعاما بعد آخر بدأ عدد الحجاج والمعـ.ـتمرين يقل، وتهـ.ـاوت صورة العباسيين أكثر وأكثر عند عموم الناس

وفي عام 317هـ أفتـ.ـى كثير من العلماء ببطـ.ـلان الحج حماية للأنفس والأعراض[13]، حتى جاءت الطـ.ـامة الكبرى في العام نفسه، فقرر أبو طاهر القرمطي زعيمـ.ـهم أن يدخلوا مكة ذاتها، ويفعلوا بها ما يحـ.ـلو لهم!

على مشارف مكة خرج واليها ابن محلب مع عدد من أعـ.ـيانها لمقابلة القرمطي وجيـ.ـشه طالبين منهم الابتعاد عن المدينة المقدسة بصورة سلمية، لكن القرمطي عاجلهم بالسـ.ـيف فقـ.ـتلهم جميعا، ثم اتـ.ـجه القرمطي رأسا على ظهر فرسه راكبا إلى المسجد الحـ.ـرام فدخله بعسـ.ـاكره، وهناك تشبّـ.ـث الحجاج والعُبّاد والشيوخ والنساء بغـ.ـطاء الكعبة المشرفة

وفي وسط هذا التدافع البشري في موسم الحج كنتَ ترى جنود أبي طاهر الشـ.ـرسين يقـ.ـتلون ويدوسـ.ـون كل شيء ببـ.ـربرية مفـ.ـجعة، ويصيـ.ـحون بضـ.ـحاياهم في سخـ.ـرية ووحـ.ـشية: “يا حـ.ـمير! أليس قلـ.ـتُم في هذا البيت مَن دخله كان آمنا؟ أين حُـ.ـرمته الآن

ويعلق ابن الجوزي وغيره من المفسّرين على قوله تعالى: “من دخَـ.ـله كان آمنا” أي من دخل المسجـ.ـد الحرام فعلى القائمين على هذا البيت تأمين الزوّار والحجّاج والمعتمرين والعمل على راحتهم وعدم التعرض لهم، وقيل آمنا من النـ.ـار[15].

وقد انتشر نهـ.ـب القرامطة، وراحوا يقتـ.ـلون الناس في كل مكان داخل الحـ.ـرم وفي طرقات وشوارع مكة المشرفة حتى امتـ.ـلأ البلد الحـ.ـرام بالجـ.ـثث، فأمر القرمطي أتباعه بدفـ.ـن القـ.ـتلى في ساحة الحـ.ـرام، وإلقاء البقية في بئر زمزم، ولم يتوقف الأمر عند هذا

بل إن أبا طاهر القرمطي اعتبر الكعبة المشرفة والبيت الحرام والطواف به مثل عبادة للأوثان والأصنام، وكان يوبّخ من يقتـ.ـله من المسلمين بهذا الكلام قبل قتـ.ـله، وفوق ذلك أصعدَ رجلا من أتباعه إلى ظهر الكعبة ليـ.ـنزع عنها ميزاب، ثم نـ.ـزع عنها لباسها وستارها، وقلع باب الكعبة وأخذه، ثم قرر في نهاية الأمر أن يأخذ الحجر الأسود ويقـ.ـتلعه من مكانه قبل الرحـ.ـيل!

ظل الحجر الأسود في حوزة القرامطة أكثر من عشرين سنة كاملة، بلغوا فيها أوج قوتهم، فقد ضـ.ـموا إليهم بلاد عُمان وهاجـ.ـموا الكوفة والبصرة مرارا، وكانت هـ.ـزيمة مذلـ.ـة للعباسيين

أكبر إهـ.ـانة للإسلام في أحد أركانه، ولم يقو العباسيون على فعل شيء أمام هذا الإجـ.ـرام والبربـ.ـرية القرمطية، وقرروا معهم صلحا مقـ.ـابل دفـ.ـع فـ.ـدية سنوية هائلة تُقدّر بـ 120 ألف دينار ذهبي، وفي عام 337هـ وبعد وساطة شاقة، ودفـ.ـع أموال هائلة اسـ.ـتلم العباسيون الحجر الأسود وأرجـ.ـعوه إلى مكانه مرة أخرى!

في نهاية المطاف سـ.ـقط القرامطة من جراء انكـ.ـماشهم الداخلي، وارتحال الكثيرين منهم إلى إيران، وفي منتصف القرن الخامس استطاع العوينيون وبعض القـ.ـبائل العربية الموالية للعباسيين والسـ.ـلاجقة هزيـ.ـمة القرامطة ودحـ.ـرهم عن إقليم الأحساء والبحرين، بعدما يقرب من قرنين ذاق الناس فيها أفـ.ـظع الجـ.ـرائم والمذابـ.ـح التي ارتُكـ.ـبت باسم الأفكار المتطـ.ـرفة في العصر الإسلامي الوسيط!
ميدان الجزيرة: محمد أيوب

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.