ثلاثة سيناريوهات خطيرة تنتظر سوريا في الأشهر القليلة القادمة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

كتب د. كمال اللبواني

سنحاول رسم السيناريوهات المحتملة لما ستحمله لنا الأشهر القادمة، وكأيّ دراسة مستقبلية لا بد أن تعتمد على رسم خطوط مسارات الأحداث السابقة وتمديدها، في ضوء استقراء نوايا الأطراف الفاعلة وخياراتها، وذلك بحساب الظروف والإمكانيات الفعلية المتوفرة أيضاً.

أولاً: المسار التفاوضي، المعتمد دولياً في الوقت الراهن، هو مسار عقيم، ولن ينتج أيّ شيء، فقد انتقل من مبادرة جامعة الدول العربية (التي اشترطت وقف القتال وسحب الجيش والسماح بالتظاهر السلمي وإطلاق سراح المعتقلين، قبل الشروع بالتفاوض على سلطة انتقالية) إلى صيغة بيان جنيف، الذي باشر بالتفاوض قبل تنفيذ الشروط الأربعة السابقة، والتي صارت من موضوعات التفاوض، ثم انتقل إلى مسار دي مستورا، الذي قسم التفاوض لمسارات وسلل ثلاث، حذف منها اثنتان، وأبقى على المسار الدستوري، فقط، الذي لا يثمن ولا يغني من وجوع، ويراوح مكانه عند تشكيل اللجنة أو اجتماعها منذ عامين، والتي صارت تمثّل النظام، فقط، بعد سلسلة إجراءات، ومع ذلك بقيت معطلة، في حين تابع النظام وحلفاؤه تنفيذ خطة الحسم العسكري، الذي انتهى للحالة الراهنة التي لا يمكن تغييرها إلا عسكرياً، وبالقوة الخارجية، بعد تدمير كل قوى الثورة.

وبالنظر إلى التعنّت الروسي، وعدم رغبة أمريكا في التورّط العسكري، اعتمدت الولايات المتّحدة مقاربة الموضوع بواسطة الضغوط الديبلوماسية والاقتصادية، التي هي، أيضاً، غير قادرة على حسم مسألة السلطة والاحتلال الإيراني من دون مساعدة روسية، ما تزال غير مرجّحة، بالرغم من وعود روسيا منذ ثلاثة أعوام، فروسيا تلعب على الوقت فقط.

ثانياً: المسار الثاني، يعتمد على اقتناع الروس، خاصة بعد صدور إدانة الكيماوي، وتطبيق قانون سيزر، وتململ الحاضنة الموالية للنظام، بضرورة الاستجابة والسعي الجدّي لإحداث تغيير سياسي في السلطة، خلال المدة الممنوحة لها إسرائيلياً، وهي نهاية شهر تموز القادم، وهو احتمال لن يعزّزه إلا جديّة فاعلة من قبل الغرب، وتصاعد التمرّد على النظام داخل حاضنته، وتدهور الأوضاع وتفكك النظام من داخله (اندلاع صراعات داخلية)، وهنا قد يستطيع النظام والروس، ومعهم النفوذ الإيراني الكبير، تحمّل تلك الظروف والضغوط واستيعابها، والتلاعب والالتفاف على العقوبات، وقمع التمردات في الداخل، وضرب الحواضن ببعضها، والتحايل على قانون سيزر، والإيهام بالسير في الحل السياسي، باستخدام وكلائهم المزروعين في المعارضة وهيئات التفاوض والمنصّات المختلفة، الذين أثبتوا، مراراً وتكراراً، خيانتهم للشعب والثورة.

إذا نجح الروس في تجاهل المطالب، سيستمر الوضع الراهن فترة زمنية طويلة، ويتكرّس تقاسم النفوذ، ويفرض الأمريكي كياناً كردياً شرق الفرات، ويستمر التركي في تكوين كيان إخواني في الشمال (غرب الفرات وفي ادلب )، بذات الوقت، يقوم بالتخلص من معظم مكونات حزب العمال الكردستاني عنده، بترحيلهم نحو الدويلة الكردية في سورية، بعد تقليص حدوده معها، للحد الأدنى، بينما يباشر كيان علوي في الساحل تمايزه عن بقية سورية، ويعزّز استقلاله التدريجي عن النظام، طمعاً في الاستقلال والاستئثار بعائدات حقول النفط والغاز، بحماية روسية، وهو الخط الذي يعمل عليه رامي مخلوف، حالياً، والذي استطاع إبعاد النفوذ الإيراني عن طائفته، بالتعاون مع روسيا، التي تشتري المناطق تباعاً، هناك، في حين يبقى الوسط والجنوب والبادية ساحة نفوذ إيراني، يتسبب في تأجيج الغضب الإسرائيلي، الذي لا يقلقه في سورية، إلا أن تصبح منصّة ايرانية تستهدفه، مع تحوّل إيران لقوة عظمى في المنطقة، بمنظوماتها الحربية والأيديولوجية.

ثالثاً: السيناريو الثالث، أن تقوم إسرائيل الغاضبة من التواجد الإيراني على حدودها مع سورية، بعد أن حيّدت روسيا عن صراعها مع النفوذ الإيراني، بأحد أمرين:
١- زعزعة استقرار النظام، وقلب الطاولة على الاحتلال الروسي والإيراني، بتدبير انقلاب علوي، أو القيام باغتيالات واسعة تطال رؤوس النظام، لإجبار الروسي على القبول بالخيار الذي طرحته عليه، وهذا يجب أن يتم في غضون شهري آب و أيلول، أي قبل الانتخابات الأمريكية، التي قد توصل الديموقراطيين للسلطة، مما سيجعل ايران ترسّخ وجودها نهائياً في سورية، ويلجم إسرائيل عن القيام بأيّ مغامرة عسكرية واسعة، لا يمكنها القيام بها من دون موافقة الإدارة الأمريكية.

٢- قيام إسرائيل باجتياح الجنوب السوري بريّاً، بحجة حماية حدودها، وفرض إبعاد الإيراني عنها، مسافة لا تقل عن ١٠٠ كم، والتي تعهدت روسيا به، يعزّز هذا الاحتمال ثورة السويداء، وذريعة حماية الدروز الذين يشكلون قوة ضغط فاعلة داخل إسرائيل، مستفيدة من تململ الفصائل، التي قبلت بالمصالحات على مضض، ومن حالة الغليان وانعدام الأمن، الذي يشمل الجنوب كله، بعد تسلم النظام له. حيث يتوقّع تعاون واسع مع الاجتياح، لإقامة منطقة محررة في الجنوب بمساعدة عربية، خاصة من قبل الأردن والسعودية، حيث سيكون الجنوب منصّة انطلاق لمتابعة الصراع مع الإيراني في اتجاه الوسط والشرق، ومحاولة تحرير دمشق وحمص والبادية، وصولاً لحدود العراق، هذا السيناريو سوف يفتح صراعاً طويلاً مع النفوذ الإيراني، مباشراً، وبالوكالة، باستخدام العرب السنة في جنوب وشرق سورية ،وفي غرب العراق، أيضاً، قد يمتد لسنوات، وهذا الاحتمال لا بدّ سيحدث هذا الصيف، وقبل رحيل ترامب.

ويبقى احتمال عدم قيام إسرائيل بفعل أي شيء، وعدم السير بأحد هذين الخيارين، وهذا سيدلّ على ضعف شديد وبداية مرحلة التراجع، ويشجع حزب الله وحماس على التمادي، وهو ما يصعب على إسرائيل القبول به، خاصة بوجود إيران، كقوة عظمى ونووية، تهيمن على المنطقة، وصولاً للمتوسط، لذلك نعتقد أنّ ناتانياهو سيسير بأحد هذين الاحتمالين، و أيّاً من هذين الخيارين سيتّخذه ناتنياهو، سيحدّد مصير سورية وخريطة الصراع في الشرق الأوسط، للسنوات القادمة.

يعني الخيار الأول، استمرار وحدة سورية، والمباشرة بإعادة البناء، فور التوصّل لحلّ سياسي، بين السلطة الجديدة والشعب السوري الثائر، وتعاونهم معاً لإخراج ايران، مع ضمان المصالح الروسية لتحييدها، وهو ما نحاول إقناع الحكومة الإسرائيلية الجديدة السير به، في حال تعنت الروسي، ولم يقم بما وعد به، من تغيير في قمة هرم السلطة، والإتيان بسلطة تطلب من إيران الخروج، وتتفاوض على حلّ سياسي، يعيد الشعب لأرضه، وهو الوحيد القادر على تنظيف التغلغل الإيراني.

الخيار الثاني، يعني أنّ هناك رغبة دولية في استمرار استخدام سورية، ساحة استنزاف وصراعات بالوكالة ومباشرة، وتقاسم نفوذ وهذا قد يعني سريرياً موت سورية، كدولة، تحت نير الحرب والعقوبات، ونشوء خارطة تقسيمية جديدة، لها وللعراق، وقد تشمل لبنان، أيضاً. هنا سيكون الردّ الإيراني على الاجتياح، أو محاولة إخراجها بالقوة، هو زعزعة استقرار الأردن، باستخدام تحالف الإخوان وحماس، الذي يسيطر على الشارع، هناك، وهذا ربما يتماشى مع سعي إسرائيل لتحويل قسم من الأردن لدولة فلسطينية، تمهيداً لضم أجزاء واسعة من الضفة لدولة إسرائيل، والإبقاء فقط على نوع من الحكم الذاتي، على مناطق مقسمة، وفقاً للخريطة التي نصّت عليها صفقة القرن، التي رفضها العرب، مما قد يدفع إسرائيل لمحاولة فرضها واقعاً بطرق أخرى.

هذا هو الاحتمال الأقرب للحدوث، في حال تعنت الروسي، وتمسك ببشار، بسبب ميل الحكومات لاعتماد السياسات الأسهل والأرخص، مع أنّ تحقيق هذا المسار لأهدافه غير مضمون على المدى البعيد، وقد يقلب المعادلات على المدى الإستراتيجي الأوسع. فلا دويلات التقسيم قادرة على البقاء، ولا حتى الحدود بين الدول قابلة للصمود، ولا بدّ للديموغرافيا في النهاية أن تنتصر، ولا بدّ لمتطلبات التطور الاقتصادي، الملحة الضاغطة بشدة، أن تعيد توحيد المنطقة، لكن، قطعاً، على أسس جديدة، تتجاوز تقسيمات سايكس بيكو.

القرار، الآن، على مكتب ناتنياهو، هل ستحرّكه رؤيته للمكاسب الشخصية القريبة، والانتصارات السريعة الشكلية، أم ستحرّكه الرؤية البعيدة لمستقبل شعب إسرائيل وشعوب المنطقة؟

هل سيجد الشعب السوري فرصة قريبة، لإعادة بناء وطنه السوري، أم سيضطر للسير مع إخوانه في غير دولة عربية في الشرق الأوسط، نحو بناء نوع جديد من الدول.. انتظروا لهيب شهر آب لتعرفوا.

المصدر: لافانت

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.